من المداحين والمبتهلين القلائل، الذين استطاعوا أن يحفروا لأنفسهم مكانة كبيرة في قلوب المستمعين في كل بقاع العالم الإسلامي، هو أستاذ بحق للمداحين في مختلف العصور، وما زال يتفرد بفن الابتهال بين كل نظرائه بفضل ما آتاه الله تعالي له من موهبة حقيقية تلك التي أهلته ليكون أحد أهم علامات شهر رمضان بالإذاعة إلى يومنا هذا.
لم يكن يتخيل وهو طفل صغير يترنم بينه وبين نفسه بمدح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يستمع إلى المداحين أن يصل في يوم من الأيام إلى مكانة هؤلاء المداحين، بل إلى أن يتفوق على بعضهم ويتربع بعذوبة صوته في قلوب مستمعيه، بفضل صوته الأخاذ القوي المتميز، الذي طالما هز به مشاعر ووجدان كل من استمع إليه.حيث اعتاد المسلمون في شهر رمضان المعظم الاستماع إلى صوته يصافح آذان الملايين وقلوبهم خلال فترة الإفطار بأحلي الابتهالات، التي كانت تنبع من قلبه قبل حنجرته فتسمو معه مشاعر المسلمين. الشيخ سيد النقشبندي واحد من أبرز من ابتهلوا ورتلوا وأنشدوا التواشيح الدينية في القرن العشرين، كان رحمه الله صاحب لحن ملائكي، ذا قدرة فائقة في الابتهالات والمدائح حتى صار صاحب مدرسة، ولقب بالصوت الخاشع ،والكروان الرباني.
حيث الصوت الندي الخاشع سلطانه على النفوس، وربما تعداه إلى غيره من الكائنات، ولم يكن عجيباً أن تدرك العرب تلك الحقيقة؛ فكانت تلجأ إلى أندى الأصوات في أسفارها حتى ينشد لها من روائع البيان حتى تطرب الإبل؛ فتجدّ في سيرها، وتختصر الطريق بعدما ارتوت آذانها من عذوبة الصوت وروعة الكلمات. مولد أروع الأصوات وبلا شك، يعد النقشبندي من أروع الأصوات، التي قدمت الابتهالات الدينية والتواشيح، واستطاع بما حباه الله من صوت ندي قوي، وخشوع وإحساس بالكلمات التي يتغني بها أن ينقل فن التوشيح والابتهالات من أروقة الصوفية وزواياهم إلى آذان المسلمين جميعاً.وأن يوجد جمهور كبير لفن الابتهال والتواشيح تجاوزت حدوده الثقافة والمكان بل والدين أيضا؛ فكان الرجل أشبه بالظاهرة الصوتية منه إلى مبتهل يقول ما عنده، ثم يمضي، ويكاد المرء عندما يستمع إلى صوت النقشبندي وهو يعلو بالابتهال وينطلق الإحساس من أعماقه أن تلامس نفسه السحاب، وأن تطير روحه بلا أجنحة سوى أجنحة الحب الصوفي، الذي استطاعت الكلمات المحملة بالمشاعر وجودة صوت النقشبندي وقوته أن ترفعه إلى تلك الآفاق البعيدة.
ولد «سيد النقشبندي» في قرية «دميره» مركز طلخا بمحافظة الدقهلية بمصر في عام 1920م، ثم انتقل وهو في سن صغيرة بصحبة أسرته إلى مدينة طهطا بمحافظة سوهاج، وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، وهناك تربى تربية صوفية خالصة، وتأثر بالطريقة النقشبندية التي أخذ منها اسم شهرته، وكان والده هو شيخ الطريقة، التي كانت تلتزم بالذكر بالقلب، وحفظ في تلك الفترة القرآن الكريم.
ونال حظا من الفقه، وقدرا من الشعر الصوفي الخالص، منه قصيدة البردة للإمام البوصيري وأشعار الشاعر المصري الصوفي الكبير ابن الفارض، هذا الشاعر الذي تعمق في نفسه بقوة في تلك الفترة، هو محبة الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ وكان حبا يتميز بالصفاء، حتى ليخيل لمن يستمع إليه أنه عندما كان يذكر اسم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأنه يخاطبه أمامه ويوجه إليه ابتهالاته.
البداية كان مقرئا للقرآن في محافظة الغربية بدلتا مصر، وكان مشهوراً بالابتهالات الدينية داخل محيطه الإقليمي، وذاع صيته في تلك المحافظة، وكان قريباً من محافظها، الذي كان يستدعيه في بعض السهرات الصوفية للإنشاد؛ فكان النقشبندي يهيم بصوته في مدح النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ حتى إن المارة في الطريق كانوا يتزاحمون للاستماع إلى هذا الصوت الفريد في معدنه وأدائه؛ فكان صوته يروي الآذان والقلوب العطشي إلى ذلك الحب الإلهي.
بدأت شهرة النقشبندي في عموم مصر والعالم الإسلامي متأخرة؛ حيث تعرفت عليه الإذاعات الدينية والعربية وذلك خلال إحيائه الليلة الختامية لمولد الإمام الحسين رضي الله عنه، وكانت بدعوة من صديقه الحميم الحاج سيد محمد محمد من القاهرة، فلبي الشيخ النقشبندي الدعوة، وأقام حفلا ترنم فيه بصوته وشدا بمدح الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بابتهالاته الدينية المميزة في ساحة سيد الشهداء.
وأدهش مستمعيه فذاع صيته وتناقلته الإذاعات عبر موجاتها، ثم ازدادت شهرته عندما بثت الإذاعة المصرية برنامجا تحت اسم «الباحث عن الحقيقة- سلمان الفارسي»، بالإضافة إلى الابتهالات الدينية بصوت الشيخ حتى أصبح صوته مظهرا من المظاهر الدينية خلال شهر رمضان، والذي ارتبط في أذهاننا بصوتين بالغي الأداء الشيخ محمد رفعت (قيثارة السماء) لقراءة القرآن والشيخ السيد النقشبندي في أدعيه الإفطار.
وتسابيح الفجر، وكان الشاعر «حمد السيد ندا» من الشعراء الذين كتبوا عددا من القصائد الصوفية التي تغني بها النقشبندي. الكريم الزاهد ورغم شهرته التي فاقت عنان السماء، إلا أن حياته تكاد تكون مجهولة في جوانب كثيرة منها، ربما كونه كان محبا للعيش في صفاء وهدوء بعيدا عن ضجيج الشهرة، فقد ظل هذا الرجل بعيدا عن أضواء عاصمة الثقافة العربية «القاهرة» حتى تجاوز عمره الأربعين بكثير.
إضافة إلى أنه توفي في الخمسينات من عمره، لكن ما كان يحمله الرجل أكبر من السنوات لتحقيق الشهرة؛ فالرجل كان يحتاج إلى من يخلي بين صوته وقلوب الناس وآذانهم، كان هم النقشبندي ـــ رحمه الله ـــ الأكبر ترسيخ القيمة قبل تدوين سطور حياته وقصتها، يضاف إلى ذلك أن الرجل مات ولم يترك مالا؛ فقد عرف عنه الكرم الذي تجاوز الحدود.
وتزوج بشريكه عمره وكانت على شاكلته كرما وصفاء وعطاء وإخلاصا وأنجب منها البنين والبنات، ثم توفيت فتزوج من أخرى وأنجب منها أيضاً، ومات فقيراً لم يترك مالاً أو عقارات، وربما ذلك ما جعل الأبناء لا يستطيعون أن يهتموا بتراث والدهم وتدوين حياته. فن المديح قديم؛ فالشعراء، مثل: حسان بن ثابت وكعب بن زهير وغيرهما كانت لهم أشعار في مدح خصال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ــــ والإسلام، وتطور فن المديح على مستوى الشعر، واستأثر المتصوفة بالمديح وأوغلوا فيه، أما فن الإنشاد الذي كان جوهره المناجاة للخالق والدعاء له.
فقد شارك فيه بعض من قراء القرآن الكريم، ثم أصبح له رواده، حتى أن فن الإنشاد الديني كان مدخلا للبعض للدخول إلى عالم الطرب، وعلي رأسهم السيدة «أم كلثوم»، فكانت حلقات الإنشاد أشبه بالمكان الذي يصقل الموهبة؛ فهذا الفن بوجه عام يحتاج إلى ذوي النفس الطويل، والتدريب المتواصل على التحكم في النفس وطبقات الصوت في أثناء الإنشاد.
أما موقع «النقشبندي» في الإنشاد فيكاد لا يضاهيه غيره؛ إذ تحتل ابتهالاته مكاناً في وجدان المسلمين على اختلاف طبقاتهم وانتماءاتهم؛ فقليلو الحظ من الثقافة يهيمون مع صوته.
ويرتفعون به ويحلقون بعيدا في بحور محبة الخالق ومحبة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت الحفلات التي يترنم فيها بصوته وإنشاده العذب مجتمعا للمحبين على اختلاف انتماءاتهم، تاركا وراءه تراثا كبيرا من الإنشاد ما زالت غالبية الإذاعات العربية تذيعه خاصة في رمضان، وله بعض الابتهالات باستخدام الموسيقى، ونظرا لروعة إنشاد النقشبندي وقوة تأثيره في نفس مستمعيه قامت إحدى المخرجات المصريات بإنتاج بعض من ابتهالاته في رسوم كرتونية للأطفال حتى يتعايش هؤلاء الصغار مع هذه الظاهرة الصوتية والشعورية.
عقول صلدة كان شيخ مداحين عصره محبا للسفر راغبا في الدعوة إلى دين الإسلام، لذلك كان حريصاً دائماً على تلبية كل ما يوجه له من دعوات إلى الخارج، ليشدو بمدح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن ثم حقق النقشبندي صيتا كبيرا في العالم الإسلامي فزار العديد من أقطاره، منها دول الخليج وسوريا وإيران وعدد من دول المغرب واليمن، وفي الستينات ذهب لأداء عمرة، وشدا بصوته بابتهالاته وأناشيده، وتصادف مرور مجموعة من المعتمرين الجزائريين المتعصبين فأوسعوا النقشبندي ضربا، ولولا دفاع مجموعة من المصريين عنه لكان في الأمور أشياء أخرى.
كان الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات من المغرمين بصوته، حيث كان يحرص دائما على الذهاب إلى مسقط رأسه ميت أبو الكوم بالمنوفية، ويبعث إليه لينشد له ابتهالاته في مدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهكذا كان النقشبندي أحد خمسة مشايخ مقربين من السادات منهم الشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر.
مدح النقشبندي للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان ودون مبالغة - نبضاً سماوياً يغزو القلوب فتتفتح لمدحه كل القلوب، فكان يدعو الناس على بصيرة من ربه فتقبل الناس على مختلف مذاهبه هذا الحب الرباني الصافي، فعاش الشيخ في حياتهم وفي كل أمورهم وصار صوته علامة بارزة في عصر ولقبه كبار الأدباء والكتاب في مصر بالصوت الخاشع والكروان الرباني وقيثارة السماء وإمام المداحين، وقد وصفه د. مصطفي محمود في برنامجه التليفزيوني العلم والإيمان ذات مرة بأنه مثل النور الكريم الفريد الذي لم يصل إليه أحد.
وقد ترك الشيخ النقشبندي تراثاً إسلامياً كبيراً وضخماً من الابتهالات والأناشيد والموشحات الدينية، وكان قارئا للقرآن الكريم بطريقة مختلفة عن بقية قراء عصره ووقته، وإن كانت شهرته كمداح للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومبتهل ديني هي الصفة التي اقترنت به، وقد ترك تراثا صوتيا مسجلا للإذاعة والتليفزيون فيما نسمعه ونراه، وحصل على العديد من الأوسمة والنياشين من عدد من الدول التي زارها.
كما كرمه الرئيس السادات بعد وفاته عام 1979 فحصل على وسام الدولة من الدرجة الأولى، وأطلقت محافظة الغربية التي عاش فيها أغلب عمره اسمه على أكبر شوارعها في مدينة طنطا. وفي الرابع عشر من فبراير عام 1976 وعن 56 عاماً، قضى منها شهورا قليلة في القاهرة استطاع خلالها تسجيل أغلب ابتهالاته وتوفي الشيخ السيد النقشبندي.


