ويتواصل الحديث عن فاتحة الكتاب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم» وسماها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «أساس القرآن» كما سماها سفيان بن عيينه بـ «الواقية» لأنها تكفي عما سواها، ولا يكفي ما سواها عنها.
هذا، وقد ورد الحمد لله في القرآن الكريم في نحو 27 آية من آيات الذكر الحكيم، وقد جاء اللفظ معرفاً بالألف واللام ــــ كما يقول علماؤنا ـــ لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى، فنحن نحمده سبحانه تعالى في كل الأحوال، في الأمر الذي يسرنا وفي الأمر الذي نكره «الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه» ذلك لأن ما نظنه أمراً مكروهاً ربما يكون الخير فيه ونحن لا نعلم ما ينطوي فيه والله وحده هو الذي يعلم كما أن الأمر الذي نسر منه لا ندري ما ينطوي عليه فعسى أن يكون في طواياه شر لنا. قال تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون».ونحن نحمد الله حتى في حمدنا للبشر من أمثالنا فيما يقدمونه لنا من إحسان أو معروف أو خدمة من أي لون كانت، ونحمده حتى عندما نحمد في الآخرين سلوكاً طيباً فيهم أو تصرفاً محموداً حتى وإن لم يصبنا منه جانب، فالحمد لله وكفى، الحمد الله على إحسانه ورحمته التي وسعت كل شيء.
ألا تسمع ما جاء في القرآن الكريم على لسان أهل الجنة: «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» سورة فاطر الآية 34. فإذا جاءت لفظة «الحمد لله» مقرونة بـ «رب العالمين» فذلك إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى هو مستوجب الحمد كله لما تتصف به ذاته العلية من الأسماء الحسنى العديدة التي اشتملت على مضمون كلمة «الرب».
فقلوبنا نحن المسلمين برمجت على هذا الحمد الواسع في معناه المقرون بالتربية، فعجباً بعد ذلك كله لمن لا تستقيم قلوبهم على الطريق السوي، عجباً لمن يرددون هذا الحمد في صلواتهم وفي غير صلواتهم ومع ذلك يمشون بين الناس بالنميمة، يفسدون بها بينهم، فالنميمة هي أن تمشي إلى «أ» من الناس وتقول له إن «ب» قال فيك كذا .
وكذا أو وصفك بأشنع الأوصاف، ثم تأتي «ب» وتقول له إن «أ» قال فيك كذا وكذا فتوغر قلبيهما بالعداوة لبعضهما وربما كانا قبل هذه النميمة سمناً على عسل كما يقول المثل وهؤلاء الذين يمارسون هذا الداء الوبال سيان عندهم أن يكون في شهر الصوم أو في غيره فذلك مرض من أمراض القلوب تمكن فيهم والعياذ بالله، فهل أمثال هؤلاء يعرفون معنى «الحمد لله رب العالمين»؟
ويستوي في ذلك الذين يعلمون والذين لا يعلمون، بمعنى أننا لا يمكن أن نقول بأن مثل هذه الآفات قصراً على الجاهلين فكم من العالمين ممن هم مصابون بها. ومن معاني النميمة لغة: كشف ما يكره كشفه. ومعنى نم بالحديث: أي أظهره بالوشاية ورفعه على وجه الإشاعة، ونم الكلام: أي زينه بالكذب ونعود إلى أجواء فاتحة الكتاب نستروح فيها من هذه الأجواء من الآفات التي تصيب الأنفس بالكآبة فأجواء هذه السورة الكريمة كلها ربانية العبادة والاستعانة بالله رب العالمين وطلب الهداية منه سبحانه إلى الصراط المستقيم، وهل الحياة إلا العبادة لله رب العالمين والاستعانة به، وبهما كما يقول أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله، «يتصل الإنسان بالإنسان والضعيف بالقوي.
والفقير بالغني، والمحكوم بالحاكم، والعبد بالمعبود، فإذا جردتا ـــ يعني العبادة والاستعانة ـــ وأفردتا لله تعالى فكت السلاسل والأغلال وحطمت الأوثان والأصنام وبطل الشرك وزالت الفتنة، وكان الدين كله لله أعظم إعلان يعلنه مسلم، وأكبر تعهد يتعهده، فلينظر ما يقول وليكون على نفسه حسيباً ورقيباً».
أليس هذا ـــ أيها الأحباب ما ذهبنا إليه في تعجبنا لمن لا يحاسب نفسه فيقع في هذه الآفات المهلكات وهو يردد «إياك نعبد وإياك نستعين» في صلاته؟ هل من يردد هذا القول تدبر معناه واستوعبه جيداً وبرمج قلبه عليه ليكون له وقاء من آفات القلوب؟
لا أحسبه كذلك. يقول الأستاذ محمد عادل القلقيلي «إن سورة الفاتحة كلها برمجة تربوية للقلوب، فالرحمن الرحيم برمجة على التفاؤل والرحمة، وكذلك الحمد لله، دعوة للتفاؤل أيضاً، ورب العالمين برمجة للحث على التفكير، وأما مالك يوم الدين فبرمجة للقلب على الشعور بالمسؤولية، وإياك نعبد برمجة على الحب والخوف، وإياك نستعين، هي برمجة على الشعور الاجتماعي، واهدنا الصراط المستقيم برمجة على الالتزام، صراط الذين أنعمت عليهم: برمجة الترغيب، غير المغضوب عليهم، البرمجة بالترهيب وهناك ارتباط بين المغضوب عليهم والضالين.
فإن الضال ـــ والحديث لا يزال للأستاذ القلقيلي ـــ إذا تمادى في ضلاله وأوغل فيه، يصبح مغضوباً عليه، وننظر حولنا في حياتنا، إذا ضل أحد أبنائنا وتمادى في ضلاله ألا يقوده ذلك إلى غضبنا عليه؟ ولله المثل الأعلى فإن على الآباء يقع واجب التربية، فمن يمشي سوياً من الأبناء على صراط مستقيم نال الرضا والحب من الوالدين وفاز بحبهما ومن لم يكن كذلك، كان عليه غضب منهما، وغضب الوالدين من غضب الله.
وفضائل سورة الفاتحة كثيرة من ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: بينما جبريل قاعد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه (وهو الصوت المرتفع كصوت الباب حين يفتح) فرفع رأسه وقال: هذا باب من السماء فتح ولم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم.
وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته».وإذا كان الخطاب موجهاً للنبي فإن الخير يعم أمته شريطة التدبر والفهم الصحيح لهذا القرآن الهدية العظمى للعالمين من رب العالمين.

