أنا جُنَّةٌ ووقاية، من كل ما يوقع في الموبقة والعماية، وسترة من المعاصي يا أهل الدراية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة من النار، كجنة أحدكم من القتال». فليترفع صُوَّامي عن فاحش القول وبذيئه، وليلجموا ألسنتهم عن جارحه ودنيئه، وليعلموا أن:
القول كاللبن المحلوب ليس له
رد؛ وكيف يرد الحالب اللبنا
وليسمعوا ويعوا:
عود لسانك قول الصدق وارض به
إن اللسان لما عودت يعتاد
وليمعنوا الفكر في:
تكلم وسدد ما استطعت فإنما
كلامك حي والسكوت جماد
فإن لم تجد قولاً سديداً تقوله
فصمتك عن غير السداد سداد
يا لها من لحظات الصفات والإشراق! يالها من أوقات الهناء والوفاق! فهذا خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم يقول: «الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهز. وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك. يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل. الصيام لي وأنا أجزي به».
أنا المنهل الصافي، والبلسم الشافي، أجردكم من سرابيل الخنا، وأحرركم من آصار الشقاء والعنا. استل من صدوركم السخائم والأضغان، وأنشر بينكم الألفة وأطوي عنكم الشنآن.
أهل الخصوص من الصوام صومهم
صوان اللسان عن البهتان والكذب
والعارفون وأهل الأنس صومهم
صون القلوب عن الأغيار والحجب
إن خلوف فم الصائم وهو الرائحة المتولدة من الأبخرة المتصاعدة من المعدة لخلوها مما يصل إليها من الطعام والشراب ــ ليرشح مسكاً، ويضوع عبقاً عند رب السموات العلا، لأن الصائم استجاب لأمر ربه وأطاعه في سره وجهره ومنع عن نفسه شهواتها، وكبح جماح هفواتها، وحكم فيها حسام المراقبة فلا يخلص إليها شيء من نزواتها. وعاشرني فكنت له نعم العشير، وأفاد مني ما يفيد الصبي الصغير من المعلم الكبير.
عاشر أخا ثقة تحظى بصحبته
فالطبع مكتسب من غير مصحوب
كالريح عاصفة مما تمر به
نتنا من النتن أو طيباً من الطيب
فقمين بعد هذا أن يصير الخلوف، أطيب عند الله من المسك المعروف.
