ستظل قبة الصخرة تلك البقعة المقدسة بالقدس الشريف شاهدة على رحلة الرسول العظيم التي عرج فيها إلى السماء وشاهد فيها من آيات ربه ما ثبت به قلبه وعلمه فيها من تعاليم الإسلام ما نحن محافظون عليه حتى أيامنا هذه وإلى أبد الدهر، ستظل قبة الصخرة على مدى الأيام والعصور عالقة بأذهان المسلمين في جميع بقاع الأرض، لأنها مرتبطة بذكرى الإسراء والمعراج .
فقد قال تعالى »سبحان الذي أسرى بعده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير«. فهي كذلك جزء من القدس الشريف التي فتحها عمرو وحررها صلاح الدين الأيوبي، وهي أيضاً ثالث الحرمين وأولى القبلتين وإليها تشد الرحال كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم فهي إذن أثر إسلامي خالد في مدينة إسلامية خالصة تسكن سويداء قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.تقع قبه الصخرة وسط هضبة.. وهي عبارة عن صخرة شبه مستديرة من صخور مرتفعات أورشليم.. يبلغ طولها حوالي 65 قدماً وعرضها 24 قدماً يتجه جانبها المستقيم المرتفع جهة الغرب والمنحدر جهة الشرق، وترتفع في بعض نواحيها لمسافة متر واحد وأسفلها فجوة عمقها أكثر من متر ونصف، ولذلك تبدو وكأنها معلقة بين السماء والأرض، وهذا اعتقاد خاطئ لأن الصخرة تبرز عن سطح الأرض بعض الشيء ولكنها تتصل بالأرض.
أسست قبة الصخرة في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان الأموي عام 27 هـ .. ومما يذكر أن الدولة الأموية كانت بداية ظهور الفنون والعمارة الإسلامية التي تأثرت بالحضارة البيزنطية والأساليب الفنية في البلاد المجاورة، حيث استعان الأمويون ببنائين من الروم والفرس والقبط من دمشق والعراق ومصر وامتزجت العديد من الفنون التي أخرجت في النهاية طرازا مميزا للفنون والعمارة الإسلامية وبذلك تعد قبة الصخرة من المنشآت الهامة للعمارة الأموية وهي منشأة تذكارية لتخليد أثر إسلامي مهم. جاء تخطيط قبة الصخرة على شكل المثمن من الداخل والخارج، ويحيط بالصخرة المقدسة أربع دعامات بين كل دعامتين ثلاثة أعمدة رخامية تحمل أربعة عقود ويكون مجموعها ستة عشر عقداً، غطيت المساحة الوسطى أعلى الصخرة بقبة مرتفعة كانت في الأصل مصنوعة من الخشب المغطى بالرصاص والمزخرف بألواح من النحاس اللامع إلا أنها تعرضت للسقوط عام 704 هـ وأعيد بناؤها عام 314 هـ وسقطت مرة أخرى وتم إصلاحها في العصر الحديث عام 4591 .
تظهر براعة بناء قبة الصخرة في عملية تكوين الدعامات التي تحيط بها حيث تشكلت بأسلوب هندسي بسيط يتجنب به أن تحجب الأعمدة الواقعة أمام الرائي للأعمدة الأخرى المقابلة.
يتكون المثمن الداخلي للقبة من ثماني دعائم موجودة في أركانه الثمانية - بين كل دعامتين عمودان من الرخام يحملان ثلاثة عقود ويكون مجموعهم أربعة وعشرين عقداً تربط بينهم روابط خشبية تزيد من تماسك أرجل العقود .أهم ما يميز الجدران الخارجية لهذه القبة أنها كانت مغطاة بالفسيفساء.. إلى أن استبدلت بالبلاطات القيشاني عام 259 هـ، كذلك زخرفت من الداخل بالفسيفساء ذات الألوان البراقة مثل الفضي والذهبي والألوان المختلفة الأخرى.
والتي روعي أن توضع بزوايا مائلة بعض الشيء لتعكس الضوء ببريقها وكذلك روعي أن تكون رسوماتها متوافقة مع المساحات المعمارية حتى تظهر منسجمة مع الكتل البنائية، ويغلب على موضوعات الزخارف الفسيفسائية تأثيرها بالعمارة البيزنطية وتجد بها أيضاً الزخارف البنائية الحلزونية بعضها قريب من الطبيعة والبعض الآخر يمثل رسوم وأساليب الزخرفة الإسلامية من رسوم النجوم والأهلة وغيرها.
إذا كانت قبة الصخرة في القدس الشريف قد تميزت في عمارتها بتصميمها المثمن، والذي يغطي الجزء الأوسط منه القبة العالية المميزة، وتميزت أيضاً بزخارفها البنائية والهندسية وكتاباتها الكوفيه وأسلوب الفسيفساء الذي يشير إلى بدايات فن الزخرفة في الفن الإسلامي في الطراز الأموي، فهي أيضاً مزار ديني إسلامي عالمي يحرص على زيارته الجميع .


