منذ بداية هجرة القوة العاملة من الدول الإسلامية، وبخاصة تركيا والبوسنة، إلى النمسا، تولت الهيئات والمنظمات المشرفة على المساجد في النمسا القيام بوظائف اجتماعية بالغة الأهمية، أبرزها تقديم عناصر البنية التحتية الدينية، وبصفة خاصة القاعات والأماكن المخصصة لإقامة الصلاة والمواد والأدوات المختلفة الضرورية لذلك إلى جانب البنية الاجتماعية الخاصة بالأنشطة الترفيهية.

كما لمقاهي وقاعات مشاهدة التلفزيون ومحال البقالة المتخصصة وغيرها، فضلا عن دعم وحدة الجالية الإسلامية وتقديم المزيد من التعليم الديني لأبنائها، ويقوم الأئمة بدور بارز في إقامة الصلاة والعمل كقادة روحيين والاضطلاع بدور الوساطة في المواقف التي تعكس صراعات أو نزاعات، وكذلك تقديم دروس في القرآن الكريم واللغة الألمانية وغير ذلك كثير.وفي السنوات الأخيرة، قامت هذه المؤسسات والمنظمات والهيئات بجهود أكبر ليس لدعم أبناء الجالية روحياً واجتماعياً فحسب.

وإنما للتأكيد على أولوية الشؤون الاجتماعية المستهدفة، وبصفة خاصة من خلال التركيز على متطلبات فئات بعينها، كالنساء والشباب والطلاب.. إلخ، والطابع المهني المتخصص في تقديم الخدمات لهذه الفئات، الأمر الذي يزيد من أهمية هذه المؤسسات بالنسبة للمسلمين في النمسا ويجعل هذه الأهمية تتجاوز النطاق الضيّق المتعلق بالأنشطة الترفيهية وحدها.

وعلى الرغم من ذلك فإن الجماعة الإسلامية في النمسا، ولاعتبارات قانونية، تحتفظ بالحق في التعامل مع الجوانب المحورية المتعلقة بالجالية الإسلامية في النمسا، وهذه الجوانب تشمل اختبار مدرسي المواد الدينية ومؤهلاتهم والاعتراف بها، مما يتيح لهم التدريس في المدارس العامة وكذلك الحالة بالنسبة لأئمة المساجد.

أولوية التعليمفي الوقت الحالي هناك أكثر من 200 مدرس للمواد المتعلقة بالدين الإسلامي يقومون بتدريس مساقات اعتمدت في المدارس منذ العام الدراسي 1982 ــــ 1983 لحوالي 4000 طفل مسلم، ويتلقى هؤلاء المدرسون أجورهم من الخزانة العامة للدولة النمساوية.

وقد فتحت الأكاديمية التعليمية الإسلامية التي أسستها الجماعة الإسلامية في النمسا أبوابها في 1998. وبمقتضى القانون العام فإن هذه الأكاديمية تعتبر مدرسة خاصة ومؤسسة تعليمية تعتمد على مدرسي المواد المتعلقة بالدين الإسلامي، وقد أسست في المقام الأول استجابة للضرورة العلمية المتعلقة بتدريب وتأهيل مدرسين متخصصين في الدراسات الإسلامية يتميزون بالإتقان الشديد للغة الألمانية.

وقد تم توسيع نطاق العلاقات العامة والخدمات في الجماعة الإسلامية في النمسا بصورة متزايدة، وأضفى الطابع المهني الراقي عليها في التسعينات من القرن الماضي، وبالتالي فإن المكانة المحورية للجماعة أصبحت حقيقة أساسية واضحة أمام الجالية الإسلامية في النمسا وكذلك أمام الرأي العام النمساوي إجمالاً.

قضايا ومشكلات

من حيث المبدأ فإن الإسلام في النمسا يتمتع بما يمكن وصفه بـ«الحكم الذاتي الداخلي» وذلك بحكم الوضعية القانونية التي يتمتع بها، أي طالما أن تسيير أمور الجالية لا يشكل انتهاكاً للقوانين النمساوية، وبالتالي فالدولة النمساوية ليس لها حق «التدخل» في الشؤون الدينية للطائفة الإسلامية في النمسا.

غير أنه في الحياة اليومية هناك جوانب تتطلب ضوابط من جهة أو أخرى، حيث إنها قد تتطور إلى ما يمكن وصفه بـ«منطقة صراع أو نزاع». ويرجع هذا من المنظور النمساوي ليس إلى الضوابط القانونية وحدها وإنما إلى الإيقاع الديني للحياة بالنسبة للمسلمين ولغير المسلمين والذين يمكن أن يختلف ويتباين.

والقضايا الأكثر أهمية في روتين الحياة اليومية بالنسبة للمسلمين في النمسا تتعلق بالذبح الحلال، ارتداء الحجاب وإعطاء دروس في السباحة للفتيات المسلمات، والقضايا المتعلقة بقانون الأسرة، والقواعد المنظمة للعطلات وأداء الواجبات الدينية وكذلك القواعد المتعلقة بجنازات المسلمين.

ومن الناحية العملية فليس هناك لوائح أو قواعد قانونية لأي قضية من هذه القضايا، ولكن يبدو أن الحلول التي تم تطويرها حتى الآن تعد مرضية إلى حد كبير بالنسبة للجانبين على سبيل المثال فإن الذبح الحلال، أي وفقاً للشريعة الإسلامية، تم تنظيمها على مستوى النمسا بكاملها وفقاً لقانون حقوق الحيوان الجديد، الذي بدأ العمل به منذ الأول من يناير عام 2005، وكانت هذه المسألة في السابق تنظمها مناطق معينة في النمسا دون غيرها.

وبمقتضى هذا القانون فإنه يتعين تخدير الحيوانات قبل بدء ذبحها. وكذلك فإن من المعروف أن المذهب الحنفي يجيز أكل المسلمين للحيوانات التي يقوم أهل الكتاب بذبحها.

وفيما يتعلق بمسألة ارتداء الحجاب في مدارس الفتيات فإن الحق الدستوري الأساسي المتعلق بالحرية الدينية، وبالتالي حرية اختيار الملابس يتوافق مع الاعتراف بالإسلام كدين للجالية المسلمة، وفي الوقت نفسه مع لوائح المدارس التي تحظر وضع غطاء على الرأس في الصفوف الدراسية. ومع ذلك فإن الفتيات والسيدات المسلمات اللاتي يصررن على الالتزام بالقواعد الدينية التي تقتضي وضع الحجاب يتعين السماح لهن بلا حدود بدخول الفصول.

كامل يوسف حسين