ركز عدد من المستشرقين جهودهم على ترجمة القرآن الكريم ومعانيه الى اللغات الأوروبية وقد جاء ذلك بهدف معرفة الإسلام والإطلاع على مبادئه وعقيدته حتى يتمكن المسيحيون من محاربته لأنه يجسد خطرا على الناس العاديين الذين يتأثرون به فيعتنقونه، فوجب التنبيه، حسب رؤيتهم، الى ذلك الخطر وإظهار هذا الدين بمظهر مناف للتعاليم المسيحية السمحة التي تتفوق عليه.
كما استهدف بعضهم من ذلك محاولة تنصير المسلمين وردهم عن دينهم باعتبارهم من المضللين الذين تركوا الديانة المسيحية الصحيحة واعتنقوا دينا آخر لا يضاهيها في تعاليمها وسماحتها وهكذا اتخذت الدراسات الإسلامية في اوروبا منذ بدايتها الوجهة التبشيرية الصرفة وأهم الأدوات التي تساعد على تحقيق هذا الهدف هم المتخصصون في هذه الدراسات لمحاربة الإســـلام بالحـجــة والفـكــر والبرهان.
وتذكر المصادر أن راهبا يدعى بطرس المبجل رئيس دير كلوني الشهير رعى أول ترجمة للقرآن الكريم الى اللاتينية ولكنها شابتها العديد من الأخطاء وهو ما لا يمكن معه اعتبارها ترجمة بأي معنى من المعاني للقرآن أو معانيه.
وقد توالت ترجمات القرآن الكريم بعد ذلك الى اللاتينية غير أنها كانت مشفوعة بتعليقات وتحليلات وكتابة مقدمات طويلة حافلة بالتشويه والإضافة والتعليقات انصبت كلها على دحض القرآن وعدم صحة مصادره واستناده الى المصادر اليهودية والمسيحية. وكان من بين الترجمات ترجمة للعلامة الأب ماراتشي الذي قضى فيه أربعين سنة من عمره بحيث استقى ترجمته من المصادر العربية الأصلية وتمت طباعة الترجمة بمدينة بادوا عام 1698م.
ومن أهم خصائص محاولات الترجمة التي تمت في تلك الأزمنة عدم قيامها على مبدأ البحث العلمي النزيه إما لسوء النية أصلا وإما لجهل القائمين باللغة العربية وبلاغتها واشتقاقها.
كما يؤخذ على هذه الترجمات العديد من الهنات والسقطات العلمية منها استنباطها للعديد من المبادئ الإسلامية والتي استنتجها الدارسون من خلال هذه الترجمات الفاسدة ومنها كثرة التصرف في هذه الترجمات من الحذف والتغيير والتبديل والتقديم والتأخير طبقا لهوى المترجمين وأحكامهم المسبقة ومنها تصيد القراءات الشاذة ومحاولة تفسيرها بحجج تتلاءم وما جبلوا عليه من التهجم على الرسول الكريم ومنها أن كل هذه الترجمات أكدت دون سند علمي أن القرآن ليس منزلا من الله.
فضلا عن الأغراض التي حكمت المستشرقين في محاولاتهم للترجمة فقد كان من بين الصعوبات العملية التي واجهتهم في الترجمة الحرفية تلك المتعلقة بالإعجاز اللفظي بحيث يستحيل معه ترجمته اللهم إلا إذا اقتصرت هذه الترجمة على معناه وتفسيره كما أن الترجمة تفقد القرآن روعة نظمه وبلاغة أسلوبه وحلاوته وطلاوته التي تؤثر في النفوس أبلغ تأثير.
فضلا عن اشتمالها على تأويلات وتفسيرات لبعض العبارات والألفاظ ينأى بها عن معناها الصحيح فتأتي مناقضة للمقصود. ولهذا كانت الترجمة الحرفية مستحيلة فسلك العديد من المستشرقين طريق ترجمة معانيه وتفسيره وقاموا على أساس ذلك بدراسة العديد من القضايا المتعلقة بالقرآن الكريم.
