أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.
ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
الحاسوبرغم أن السجلات الأميركية تدون بين دفاترها تاريخا محددا هو السادس والعشرون من يونيو 1947 لولادة الاختراع الجديد فلم يكن هناك استقرار بطبيعة الحال على اسم هذا الكائن الجديد الذي استجد على دنيا العلم وبعدها انتشر وشاع في حياة الناس. وقصارى الأمر أن حمل هذا الاختراع المسجل الاسم التالي:
* جهاز الكتروني يستخدم في إجراء الحسابات أو في عمليات الضبط والسيطرة.
وفي خانة الأسماء والجهات المقدمة لطلب تسجيل الاختراع تقرأ اسم كل من: جون إيكرت وجون موكلي وكلاهما من ولاية بنسلفانيا فيما حرصت الدفاتر على أن تسجل أن كلا منهما يتبع مؤسسة سبيري راند رغم أن الرجلين كانا أيضا يقومان بالتدريس في جامعة بنسلفانيا.
ولأن الجهاز السحري العجيب الذي ما زال يحمل اسم الكومبيوتر – بكل تعقيدات هذا الاسم - كان اختراعا بالغ الأهمية، جّم الفوائد وشديد التعقيد.. فما زال التأريخ لأصوله التاريخية أمرا معقدا بدوره، لأنه جاء نتيجة تطورات علمية متداخلة ورؤى تقنية وتجارب متعددة.. لدرجة أن انطوى التأريخ لجذوره ومساراته على العديد من أسماء العلماء والمبتكرين والمخترعين.
والمهم أن مصطلح الكومبيوتر في أصوله بلغات الغرب ينصرف إلى عالم الرياضيات التخصصي في إجراءات الحسابات والمعادلات الجبرية وهو المعنى الذي انصرفت إليه الترجمات العربية على تباينها من وصف »العقل الإلكتروني« إلى وصف »الحاسب الآلي« إلى لفظة حاسوب التي لم تكن لتروق لكثيرين من ناطقي لغتنا ولعلها ما زالت تعاني القلق في النطق أو في الأسماع..
ومع ذلك فقد اعتمدتها دوائر الترجمة في الأمم المتحدة وإلى حد ما في جامعة الدول العربية أولا بوصفها لفظة وحيدة وليست جملة مركّبة، وثانيا لأن بالإمكان أن يشتق منها فعل »الحوسبة« لوصف العمليات التي يقوم بها الاختراع الجديد وربما تشتق صفات من قبيل بيانات »محوسبة« بمعنى أن تمت معالجتها أو جرى تجهيزها بواسطة الحاسوب وهو أمر يستعصي تماما – كما ترى – في ظل الإصرار على لفظة الكومبيوتر.
مع هذا كله فالجهاز لا يقتصر بداهة على إجراء الحسابات أو التعامل مع الأرقام والمعادلات. وربما قصارى الأمر هو إطلاق الجزء على الكل، لأن الحاسوب يتسع في وظائفه كما أصبح معروفا ليشمل مجالات أخرى منها على سبيل المثال ليس إلا، التواصل اللحظي بالبريد الإلكتروني.
ومجالات حفظ وتصنيف وتهيئة المعلومات فضلا عن استكمالها وتحديثها.. إلى آخر الاستخدامات التي صارت متاحة بفضل جهود نوابغ من طراز »بيل جيتس« الذي استخدم ولا شك موهبة العقل البشري – أثمن ما أفاءه الخالق العظيم على مخلوقاته من نعم وأفضال..
حيث من المعروف أن الرجل لم يتبحّر ولم يتفقه في مضمار العلوم ولا أكمل حتى سلك التعليم النظامي في الجامعات.. دع عنك في هذا المجال مجموعة الشباب التي أثبتت بحق فتوة العقل وعنفوان الإبداع حين قدمت إلى حضارة البشر مع مطالع القرن الجديد محركات البحث ومنها مثلا موقع »جوجل« الذي أصبح بمثابة دوحة باسقة في مجال المعلومات ما لبثت أن تفرعت عنها أغصان شتى وفروع. مع هذا كله نستطيع أن نتقصَّى في سيرة الحاسوب الإلكتروني جهود رواد بدأوا مبكرا وطبعا على استحياء شديد ومنهم مثلا الأميركي هيرمان هوليرت إذ كان ملتحقا بوظيفة كتابية في دائرة تعداد الولايات المتحدة.
وهداه تفكيره منذ عام 1889 إلى استخدام بطاقات تحمل البيانات الإحصائية مع إمكانية فرزها أوتوماتيكيا مما أدى إلى النجاح في إنجاز تعداد السكان في أميركا لعام 1890 وبدقة غير مسبوقة في التاريخ.وربما ظل على جهاز الكومبيوتر أن ينتظر نحوا من 40 سنة ريثما تتطور استخدامات طاقة الكهرباء فكان أن توصل المخترع الألماني كونراد زوس في عام 1831 إلى طريقة لإجراء الحسابات المعقدة باستخدام الشحنات الإلكتروميكانيكية..
وكان الأمر جديرا بالتطوير لولا أن حكومة برلين وقتها بدأت تنشغل بقضايا الحرب العالمية الثانية فلم ينل هذا التطوير ما يستحقه من تشجيع رغم أنه كان لمثل هذه الخطوات المتقدمة الفضل في أن استفاد منها المخترعان الأميركيان إيكرت وموكلي عندما عكفا على مدار الفترة 1943-1946 على بناء أول جهاز كومبيوتر شبه متكامل بحيث يمكن أن يُعد الجد الأعلى للحواسيب التي تعددت أجيالها واستخداماتها، إلى حيث الطموح إلى جهاز في حجم الكف يقدم لمستخدميه في آن واحد وظائف الحوسبة والهاتف المحمول وشاشة التلفاز ومتعة الاستماع.
وجهاز التسجيل الصوتي لزوم تدوين ما قد يعنّ للمستهلك المحظوظ من سوانح وأفكار:الجيل رقم واحد – الجد الأعلى من الحواسيب - شهدته إذن أواخر الأربعينات وقد احتوى من أجل تشغيله على 18 ألف انبوب مفرغ من الهواء فيما بلغ وزنه 30 طنا بالتمام والكمال. ومثل كل جيل رائد كان محدود القدرة وربما ضائق الصدر أو الذرع كما قد نسميه..
كان لا يطيق أكثر من 7 دقائق يجري فيها عمليات الحوسبة وبعدها تؤذن الأنبوبة بالانفجار. وفيما كانت ذاكرته محدودة للغاية.. وكلما كان المشغلون يحتاجون إلى معالجة برنامج جديد من خلاله، كان يتعين عليهم وقتها أن يعيدوا توصيل الأسلاك في كل أجزاء الآلة العجيبة. في نفس الفترة دخلت جامعة هارفارد حلبة إبداع جهاز الحاسوب..
ورغم أن جهازها الرائد بدوره جاء أكثر تقدما – إلا أن الأمر كان يقتضي إيقافه تماما عن العمل كلما اقتضى الأمر عملية إصلاح.. ذات يوم تعطل جهاز هارفارد رقم واحد كما وصفوه – وبعد التفتيش في تلافيف الآلة اتضح أن سبب التعطيل هو حشرة العثة التي أمكنها أن تتسلل وتعشش داخل الأحشاء السلكية.. هكذا أزالوها فعاد الجهاز إلى التشغيل ومن هذه الحادثة اشتقوا معنى أن يصاب الحاسوب بآفة الحشرة ومن ثم وجوب القضاء عليها (Debugging).
في الوقت نفسه كان ثمة جهود لتطوير الحواسيب تمضي على قدم وساق على الشاطئ الآخر من الأطلسي. كان الانجليز قد نجحوا في التوصل إلى جهازهم الذي أطلقوا عليه وقتها اسم »كولوسس« الذي ينصرف إلى معنى الضخامة الفائقة إلى حد الهول في بعض الأحيان كان ذلك في ذروة عنفوان الحرب العالمية الثانية – عام 1943 على وجه التحديد حيث عكف المخترع البريطاني توماس فلاور وكان يعمل في مصلحة البريد الملكية على تركيب وتوصيل الجهاز في محاولة لاستخدامه لفك أسرار شفرة الاستخبارات الألمانية.
ورغم نجاح الاختراع فقد اختار الإنجليز أن يبقوا على أسراره طيّ الكتمان حتى عام 1976 وربما دفع الانجليز لذلك ثمنا فادحا حيث ظل الأميركان يواصلون تطوير الحاسوب واعتماد مبالغ طائلة لصالح هذا التطوير.
وخاصة في ضوء المنافسة التي كانت محتدمة مع اليابانيين، بحيث لم تغرب شمس القرن العشرين إلا وقد أصبح الحاسوب رفيقا عزيزا لأجيال من أعمار شتى وأداة ناجعة لأداء مختلف المهام التي يحتاج إليها المجتمع الحديث، ابتداء من أدق المعلومات العسكرية وأخطرها، وليس انتهاء بألعاب القسمة والحظ التي قد تزجي فراغ العديد من ربات البيوت.
المثقاب
ربما تبدو عمليته بسيطة، وربما يبدو هذا الجهاز، أو بالأدق تلك الآلة أو حتى الأداة، هينة من حيث الوظيفة أو التشغيل أو السعر بالمقارنة إلى ما ألمحنا إليه في بند الحديث عن جهاز الحاسوب البالغ التبجيل.
مع ذلك فقد ظل الناس يعانون طويلا عندما يحتاج أمر الصانع أو النجار أو حتى رب البيت أو مساعديه إلى تثبيت مسمار البراغي – القلاووظ ــ كما يسميه المصريون في الأسطح أو الجدران وخاصة حين يكون هذا النوع من المسامير لازما لربط وتثبيت أجزاء حيوية الأهمية كما في الآلات الدقيقة – الطبية مثلا أو في تصاميم الطيارات أو الأسلحة أو السيارات.
في هذا السياق يروون حكاية المقاول الإنجليزي »جون رولنجز« الذي يعيش ويرتزق في لندن وحين استدعوه يوما من أجل نصب تركيبات كهربائية في المتحف البريطاني.. طلبوا منه أن يتصرف كي لا تكون التركيبات ناتئة أو بارزة في حوائط المؤسسة العريقة كان ذلك في عام 1910 أو نحوه، وكان الحرفيون قد درجوا على أن يبدأوا بثقب يحفرونه في الحوائط ويسدونه بقطعة من خشب ثم يدقون في الخشبة مسمار البرغي.
يومها اهتدى تفكير المقاول »رولنجنز« إلى اختراع آلة.. بسيطة نعم.. لكن تستطيع اختراق الجدار وتمعن في الحفر لكي توطئ موقعا يثبت فيه المسمار المطلوب فيما يتساقط تلقائيا الركام المتخلف عن عملية الحفر وبدلا من استخدام الخشب بكل صلابته يمكن استخدام مواد مختلفة منها مثلا الجوت. والمهم أن حلت المشكلة وأمكن تثبيت المقابس الكهربائية هنا وهناك دون أن يظهر لها نتوء يشوه المنظر أو قد يؤذي زائري المتحف أو موظفيه.
والأهم أيضا أن سارع المقاول رولنجز إلى تسجيل هذا المثقاب الجديد بوصفه اختراعا في عام 1912.. وبعدها بدأت دعايات واسعة لترويجه تجاريا لم يكن أقلها نشر صفحة كاملة تزف أخبار التوصل إليه في جريدة »دايلي ميل« اللندنية.
والأهم أخيرا أن أصبح »مثقاب الدريل« كما يسمونه هو الرفيق المفضل للصناع والعمال والهواة أيضا من أصحاب البيوت.
محمد الخولي

