* «يا أيها الذين آمنوا» نداءٌ خاطبَ الله سبحانه وتعالى به المؤمنين وخصهم به تسعاً وثمانين مرة خلال السنوات العشر التي قضاها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد هجرته من مكة ليوجه إليهم أوامره ونواهيه وتشريعاته التي تنظم شؤون الفرد والمجتمع وترتقي به وتسمو بأخلاقه وعباداته ونظمه في الدنيا ولينال أفراده أسمى درجات النعيم في الآخرة.

وهذا النداء من رب العالمين لعباده المؤمنين ينطوي على ملامح بلاغية راقية فقد استعمل المولى عز وجل حرف النداء (يا) الذي يُنادى به البعيد وإذا نُودي به القريب الفَطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه هام جداً‏، فآثره دون غيره من أحرف النداء التي تستعمل للقريب مثل (الهمزة وأي) لينزل المؤمنين منزلة البعيد في المكانة والرتبة وللتنبيه على أن ما يعقبه أمرٌ جللٌ حريّ أن يُنتبه له ويصاخ له السمع ويُعمل فيه الفكر مما يدل على أن النداءات التسعة والثمانين للمؤمنين اشتملت على أمور عظيمة تصلح لهم أمر دينهم الذي هو عصمة أمرهم وأمر دنياهم التي فيها معاشهم.

وأعقب الله سبحانه وتعالى حرف النداء (يا) بـ ‏(أي)‏ وهي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه حرف النداء هو لفظ (أي)‏ والاسم التابع له صفته، وفي هذا التدرج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد‏.‏ وكلمة التنبيه (ها) المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين‏:‏ معاضدة حرف النداء وتأكيد معناه، ووقوعها عوضاً مما تستحقه أي من الإضافة‏.‏

وهذا يدل على أن الأوامر والنواهي والشرائع والأحكام التي أعقبت أسلوب النداء خطوبٌ جليلةٌ حقيقةٌ بأن ننتبه لها وأن نتلقاها بآذان واعية، وقلوب يقظة، وأعين متأملة، وعقل مستنير، لاسيما هذه الآونة العصيبة التي تمر بها الأمة حيث تتلاطم أمواج ضغائن وإحن الأعداء عليها وعلى مُثُلها ووجودها.

وتحققت فينا نبوءة المصطفى صلى الله عليه وسلم من تكالب الأمم علينا كما يتكالبون ويتداعون إلى الطعام فصرنا فريسة لكلاب يملؤهم سعار الجوع والحقد، لذا يجب أن يصغي أبناء الأمة لنداء الله منفذين ما فيه من أحكام وشرائع، ففيها عزة الأمة ورفعتها وسؤددها وبهذا تخرج من ظلام الانهزام إلى نور النصر ومن ذيل التبعية لغيرنا إلى قيادة الدنيا كما كان أسلافنا.

تضمن القرآن تسعة وثمانين نداء للمؤمنين ترسم خريطة الإسلام لتشمل حياة المؤمنين في منهج رباني، فالعاقلون الذين يتبعونه وتنطق ألسنتهم :«سمعنا وأطعنا» وتتحرك جوارحهم للتطبيق العملي تصديقاً لما قالوا وتدليلاً على سلامة وصحة إيمانهم لأن الإيمان «ما وقر في القلب وصدّقه العمل».

محمد علي الأطرش