يعد محمد بهجة الأثري أحد أعلام الثقافة العربية الإسلامية في القرن الماضي. وكان إلى جانب اشتغاله بعلوم العربية والعلوم الشرعية كاتباً شاعراً، وطبع له ديوان (ملاحم وأزهار) وفي العنوان إشارة إلى بعض مجريات حياته، فقد شارك في العمل الوطني واعتقل لهذا السبب سنة 1941 ثلاث سنوات، صدر فيها عن شعر وطني وشعر آخر وجداني إضافة إلى مقاصد أخرى.

* يا بنيّ اعرفْ نفسك!

وفي قصيدته (هتاف العزة) ذكر زوجته وأولاده واستطرد إلى وصف أولئك الأطفال الذين يربون في غياب أبيهم، ويمتلئ قلبه بالشوق إليهم واللهفة عليهم، قال:

ألا في سبيل الله والوطن الغالي

بعادي عن داري وعرْسي وأطفالي

عصافير لاساع يروح عليهم

سواي، ولا راعٍِ يحوط، ولا والِ

لهم كبديِ الحرّى وروحي ومهجتي

وفكري وأحلامي وعطفي وإشبالي

(العرس: الزوجة، ويحوط: يحفظ ويتعهد، والإشبال: الحنو والعطف) ووصف عطفه على ولديه بعد ذكر رعايته لأسرته عامة:

أظلّلهم كالطير ضمّ فراخه

ومدّ جناحيه عليها بإجمالِ

لأجهلما أرخصتُ غالي حَقّهم

وأهدرت أوطاري وبَعْثرتُ آمالي

وذكر بعد ذلك ما أصاب الأسرة (الأم والأولاد) من شقاء لغيابه الأب الأسير:

وخَلّفْتهم للبؤس والضَّنْك والضَّنى

عواثر أجداد كواسف أحوالِ

تربّهمُ أمّ شجاها تَغَرّبي

بلاعج ملوحٍ وأدمع مثكالِ

فحظهم (جدهم) عاثر وحاله كاسفة (غير حسنة) وتقوم أمهم وحدها برعايتهم في حال ذات النفس العطشى والدموع الثكلى.

وللشاعر قصيدة وجهها إلى ابنه على طريقة الوعظ، والتعليم، والإرشاد ورسم خط واضح له ينفعه في الاهتداء في سبل الحياة.

ونبه الشاعر ابنه إلى فضيلة العصامية. أي أن يصنع مجده بنفسه وألا يتكل على غيره.

والشاعر مولع بالعصامية، وذكرها في مجال آخر، فقال:

إنّ العصاميّة لا الْ... جُدودَ أصلُ مَنْ فَخَرْ

من شضرُفوا فبالمزا... يا شَرُفوا بينَ الزُّمَرْ

وبدأ الشاعر كلامه إلى ولده بالتقدير والتعظيم؛ ومعاني المحبة:

أيا ليلةَ البَدْر ليل التمامْ / ويانور عيني بين الأنامْ

ونوّارة الروَّض مُفْتَرَّةً / بأحلى ابتسامٍ وأزهى وسامْ

تيقّظْ ودَعْ غفَلات الصّبا / ولايَكُ باللهو منك اعتصامّ

فهذا أَوانُ طلاب الكمالٍ / لكسْبِ الرّهان وأخْذِ الزّمامْ

فالأمر جد عند هذا الوالد الذي يرجو لولده زماناً جديداً مفيداً، ويرجو له الوصول إلى درجات الكمال في ما يسعى إليه من خير وعمل.

ويصل إلى العلم وقضاياه:

تلقَ من العلم غاياتِه / ولا تكُ في المجد إلاّ «عصامْ»

وعصام هو الذي سبقت الإشارة إليه تحت اسم (العصامية)، وقد قيل في عصام هذا:

نفس عصام سودت عصاماً / وعلمته وإلاقداما

ودعاه إلى ترك التكبر، وعدم الاتكال على الآباء والأجداد:

ولا تلبس الكِبْرَ في موضعٍ

فإن التكبُر داءٌ عُقَامْ

وليس بمغنيك في حالةٍ

فخارُك أنّي أبوكَ الهُمامْ

والتقوى عنصر أساسي في التربية لأنها تقود إلى الخير وتحجز عن الشر:

وراع مع اللّهِ حَقَّ التُّقى

وراع مع الناس حقّ الذّمامْ

وخَفْ أبداً سطواتِ الإلله

يَخفْ ظالمٌ منكَ باغي الحسام

وشي آخر دخل إليه الشاعر في توجيهه لابنه وهو أن يطلب صنعة شريفة يكسب منها معاشه، ولا يعيب الإنسان أن يعمل بيده:

ورُمْ حرفةَ للمعاش الشريف

فليست تعيبك بين الأنَامْ

ووجهه نحو العلم ونصحه بألا يتكسب بالشعر لو صار شاعراً مثل أبيه فالعلم أولى والشعر لا يعرفه على حقيقته كل أحد:

ولا تبغ بالشعر حظ العظيم

فقد صَغّر الشعرَ جَهْلُ الطَّغامْ

ألا إنه لرفيع المقام

ولكنما العلمُ أعلى مقامْ

ويقول له أخيراً (اعرف نفسك)

ومعرفة النفس أقصى المنى

من العِلْمِ عند الذَّكيّ الهُمامْ

أ.د محمد رضوان الداية