«محمد مفتاح الفيتوري»: نموذج فريد، قلما يتكرر، للشاعر الأديب. بلا حدود. هو بلا حدود، بطبيعة مولده وجذوره والدماء التي تجري في عروقه.. وهو بلا حدود، بطبيعة الأراضي والديار والأوطان التي فيها نشأ، وشبَّ، وتعلَّم، وعمل، وأبدع، وتنقل.. وهو كذلك بلا حدود، باتساع الآفاق والقضايا والمواضيع التي تناولها في شعره الوافر، على امتداد أكثر من نصف قرن من الزمان.
في بلدة «الجنينة»، عاصمة دار «مساليت» الواقعة على حدود «السودان» الغربية، وهي من القبائل السودانية الكبيرة الشهيرة بالفروسية. وكان والده شيخاً وخليفة للطريقة الصوفية «الأسمرية»، ينتمي إلى إحدى قبائل البدو الليبية المعروفة بالتقوى والصلاح والكرامات، تسمى «الفواتير».أما والدته ـــ «الحاجة عزيزة» ـــ فتنتمي إلى قبيلة «الجهمة» الحجازية، التي هاجرت إلى صعيد مصر، ثم انتقلت إلى «ليبيا»، ومنها إلى غربي السودان، حيث تزوّج الوالدان، ورزقا بمحمد، وذلك في عام 1930 على الأغلب.كانت النشأة في «السودان»، ورعاية جدته لأمه وحكاياتها، ذات أثر عميق في فكر «الفيتوري» الطفل ومشاعره وخياله، وبذلك كله انتقل مع أسرته إلى «مصر»، حيث استقروا في مدينة «الإسكندرية»، فكانت نقلة هائلة في حياة الصبي، حافظت على تماسكها، فيها روح التقوى والصلاح وشدة الأب في تربية وحيده.
في «الإسكندرية»، ثم في «القاهرة» من بعد، استكمل «الفيتوري» تكوينه الفكري والثقافي، وبزغت مواهبه وتفتحت، وازدهر إبداعه، وأخذ مكانه المرموق في الحركة الأدبية العربية.عن مرحلة النشأة والتكوين، يقول الفيتوري:
«إنني أنتمي إلى دماء كثيرة.. في عظامي تمخر أمواج وسحب وأنهار كثيرة في هذه القارة الإفريقية.. في عظامي النهر الإفريقي الأسود الزنجي.. في عظامي النهر العربي الحضاري الإسلامي.. في عظامي أيضاً تتوهج القضايا الإنسانية التي نشأت وتربيت وتفجّرت مشاعري في ظلالها.. في الأزهر الشريف بمعهد الإسكندرية الديني، نشأت وتعلمت وتثقّفت وتلقيت دروسي الأولى، وفي مدينة الإسكندرية تفتحت عيناي على ضوء الحياة وعلى طبيعة الأشياء من حولي.
وفي القاهرة أكملت دراستي، فالتحقت بالجامعة الأزهرية وكلية دار العلوم.. وعملت صحافياً في مصر المحروسة التي أظلتني بشمسها وسحابها وضوئها وإبداعاتها وفنونها، والتي نحلم الآن أن تعود لمجدها ووهجها وتألقها ودورها الأساسي في تاريخ الحياة الإنسانية.. في مصر هذه تربيت على أيدي هؤلاء الشعراء الكبار الذين كانوا يطلون بوجوههم الساطعة على هذه الحياة.. «كامل الشناوي» مازلت أذكر دوره في حياتي..
الأستاذ الكبير «محمد حسنين هيكل» ما زلت أذكر فضله.. الكاتب والصحافي القدير الذي ربما لا يعرفه ناس كثيرون «أبو الخير نجيب»، كان له فضل في حياتي.. الشاعر الكبير «أحمد رامي» ولقاءاتي العميقة به.. الشاعر الكبير «محمود حسن إسماعيل» والدور الذي لعبه في حياتنا الاجتماعية.. الأستاذ الناقد الكبير «مصطفى السحرتي» المؤسس للرؤية النفسية داخل الشعر العربي المعاصر.. الأستاذ الكبير «عبد المنعم خفاجي».. كثيرون ـــ كلما مددت عيني في أنحاء هذا الوطن الكبير ــــ أجد لهم ديناً في عنقي، وتأثيراً في حياتي، ووهجاً في عمري حتى اليوم...».
في عام 1955 ظهر الديوان الأول للفيتوري «أغاني إفريقيا»، فأحدث ضجة وأثار اهتماماً واسعاً في الوسط الأدبي والثقافي، ليس فقط بالموهبة العفية البازغة بقوة لمبدعه، وإنما أيضاً بالقضايا الجديدة التي تصدى لمعالجتها، قضية كفاح أبناء إفريقيا السوداء ضد استعباد المحتلين البيض لهم ونهبهم لمقدراتهم، وكان ذلك تناغماً رائعاً ــــ بلا قصد ــــ مع توجه ثورة يوليو إلى الاهتمام بإفريقيا باعتبارها الدائرة الثانية من دوائر مجالات حركتها، مع الدائرة العربية والدائرة الإسلامية.
إفريقيا، إفريقيا النائية
يا وطني يا أرض أجداديه
إني أناديك، ألم تسمعي
صراخ آلامي وأحقاديه
إني أناديك، أنادي دمي
فيك، أنادي أمتي العارية
إني أنادي الأوجه البالية
والأعين الراكدة الكابية
فويك إن لم تحضني صرختي
زاحفة من ظلمة الهاوية
عاصفة بالأبيض المعتدي
عليك، يا إفريقيا الغالية
وفي هذا الديوان، كان «الفيتوري» بركاناً مشحوناً بنار الغضب والحقد، أسيراً لعقدة اللون الأسود، فراح يصب نقمته على المستعمرين البيض، وعلى كل من لا يرى في الإنسان إلا لونه، لكنه راح بعد ذلك يستعيد الثقة، ويتطهر من عمى الحقد، وحتى في دواوينه الإفريقية التالية: «عاشق من إفريقيا» سنة 1964، و«اذكريني يا إفريقيا» سنة 1966، و«أحزان إفريقيا ــــ سولارا» سنة 1969، راح يشدو لما يكمن في السواد من أسمى القيم الإنسانية، وأنبل تجليات البطولة والكفاح من أجل الحرية والعدل والتقدم.
صوتك هذا؟
إنني أكاد أن ألمسه..
أكاد أن أنشق في غصونه،
رائحة الأرض، وعرق الجبال..
أكاد أن أسمع في خفوقه،
تدفق الكونغو العظيم بالمياه..
صوتك يا إفريقيا
هذا الذي يهزني هز الأعاصير صداه،
أحبه.. وهو انفعال..
ودم يغلي.. وثورة مطبقة الشفاه..
أحبه.. وهو بريق أعين،
تشنجت فيها إرادة الحياة..
أحبه.. وهو خطى عارية،
تحفر في الأرض مقابر الغزاة..
أحبه.. لأنه صوتي أنا،
صوتك يا إفريقيا.. صوت الإله.
هكذا شدا الفيتوري لكل المدن الإفريقية المناضلة، من «الخرطوم» إلى «ستانلي فيل»، إلى «الجزائر». كما شدا لكل رموز النضال الإفريقي، من «لومومبا» إلى «نكروما»، إلى «بن بيلا» و«جميلة»، و«عمر المختار»، و«عبد الناصر» الذي خصه بالعديد من القصائد، والتي توجها برائعته عند رحيله: «القادم عند الفجر»:
يا من يتضاءل مجد الموت لدى عتبات علاه..
يا من يتجسد، وهو شموخ، في قلب المأساة..
يا عطر الأيام الحبلى بعذابات التكوين..
يا من هو كل المهمومين، وكل المظلومين..
إني أصغي لصدى خطواتك في أرض فلسطين..
أو أنت القادم عند الفجر إلى أرض فلسطين؟
عليك سلام الله..
عليك سلام الله..
من القاهرة، ارتحل الشاعر الأديب بلا حدود إلى السودان، وهو يقول في ذلك: «هنالك، في هذا البلد الكريم المضياف العظيم، ذي الشعب الأصيل، الضوء الساطع في قلب القارة الإفريقية، هناك أيضاً تلقفتني أيد كثيرة من مفكرين وسياسيين ومبدعين، وتنفست رئتاي وامتلأتا بالهواء النقي وبرؤى جديدة لم يحدث أن تلقفها إنسان في مثل ظروفي. عملت هناك صحافياً وأديباً له علاقاته وصداقاته، وتزوجت هناك، وعشت ـــ ربما ـــ الجزء الأجمل والأروع والأخصب في حياتي.
ثم انطلقت بي الأيام فشردتني وبعدت بي كثيراً، ذهبت إلى بيروت، وعملت صحافياً فيها، ووقفت على منابرها.. غنيت لها واستلهمت أشعاراً، ودخلت تجارب كثيرة في مختلف أضوائها المضنية في مدينة بيروت، وفي مختلف مناطق الجبل اللبناني.. ومن هناك انتقلت إلى ليبيا، حيث تمددت حياتي وتفرعت..
وارتبطت جذوري الأساسية بها، فهي بلد أجدادي، وإليه أنتمي دماً وروحاً وعصباً وفكراً. وهناك نشأت لي حياة أخرى أتحرك الآن وأتفاعل معها».بلا حدود، تنقل شاعرنا «محمد الفيتوري»، وأقام في مدن كثيرة في مشرق الوطن العربي، وفي مغربه. وفي كل مكان عاش حياة ناشطة، تأخذ وتعطي، تستلهم وتبدع.
من تجاربه الإبداعية في بيروت:
شحبت روحي..
صارت شفقاً..
شعت غيماً وسناً..
كالدرويش المتعلق في قدمي مولاه أنا..
أتوهج في بدني..
أتمرغ في شجني..
غيري أعمى.. مهما أصغي لن يبصرني..
فأنا جسد.. شجر.. شيء عبر الشارع..
جزر غرقى في قاع البحر..
حريق في الزمن الضائع..
قنديل زيتي مبهوت..
في أقصى بيت في بيروت..
أتألق حيناً.. ثم أرنق.. ثم أموت..
قدمت شجرة «الفيتوري» ثماراً كثيرة رائعة ومتفردة، شكلت رافداً متميزاً ـــ بلا نظير ــــ لنهر الشعر العربي الحديث، ومن ذلك كون بعضه جسر التواصل العربي الإفريقي.
وانمازت ثمار «الفيتوري» أيضاً بحيوية التطور مع كل حدود يعبرها، ومع كل ثقافة ومنهل يرتشف منه، ويتجلى ذلك في صعوده من أرض إفريقيا إلى آفاق الرؤية الإنسانية الرحيبة، إلى سماء الروح الصوفية الأصفى، ومن حدود القصيدة الكلاسيكية البيتية، إلى رحابة الشعر الحديث، إلى أفق الحداثة بوعي متمكن وقدرة متماسكة، لا تهوم في الغموض والإبهام المغلق واللا معنى..
عبدالوهاب قتاية

