كان أول مسجد وقعت عيناي عليه في الإمارات، قبل ما يزيد على ربع قرن من الزمان، هو مسجد الملك فيصل في قلب الشارقة، الذي يقع قاب قوسين أو أدنى من حديقة الاتحاد وسوق الشارقة وغير بعيد عن دوار الحكومة، ومن ثم فهو يأتي ترجمة مباشرة لبنية المدينة الإسلامية التقليدية، حيث المسجد والسوق ودار الحكم تشكل المثلث الذي تنطلق منه الآفاق المدنية وتمتد.
كنت لا أزال، حتى اليوم، أقيم على بعد أقل من كيلومتر واحد من هذا المسجد، فإنني لا بد لي من أن أمر به يومياً تقريباً، وفي كل مرة أمر به تقفز إلى ذهني الخواطر الأولى نفسها التي عنت لي عندما صافحت عيناي بهاء هذا العمل المعماري الكبير.لا شك في أننا هنا أمام مسجد جامع كبير يسع عدة ألوف من المصلين في قاعة الصلاة الرئيسية به والباحات الممتدة المجاورة له.ولا شك أيضاً في أننا أمام كتلة معمارية ممتدة وركينة ، هي بمثابة الجد الأعلى لمساجد الشارقة التي أطلت كعقد معماري شديد البهاء على امتداد شواطئ بحيرات الشارقة.
غير أن المرء لا يملك إلا أن يطرح على نفسه عدة أسئلة مؤرقة، فإذا كان الكثير من المصممين المعماريين يميلون في تعاملهم مع الأعمال المعمارية في الإمارات إلى استلهام شكلين محددين، هما القلعة والسفينة، فهل يمكن التعامل بروح الفهم أو التسامح عندما ينصرف هذا الاستلهام إلى حالة مسجد جامع كمسجد الملك فيصل؟ بتعبير آخر، أكثر عمومية وأوسع نطاقاً، هل يملك المعماري ترف ورفاهية التجريب في عمل يقام لأجيال عدة ممتدة كهذا العمل الماثل بين يدينا هنا؟
إن نظرة واحدة على هذا المسجد تؤكد أن مصممه تقصّد بجلاء ووضوح أن يستحضر الملمح العام لسفينة تمخر العباب لكي ينعكس على مشهد المسجد من بعيد، والهدف من ذلك جلي، وهو استحضار مؤثر بالغ الأهمية في حياة أبناء المنطقة، وهو السفينة، وإكساب الكتلة المعمارية ليونة ورشاقة حتى لتوشك أن تخرج إلى آفاق الحركة.كل هذا واضح ومفهوم، وأحسب أن الكثير من عشاق فن العمارة يتقبلونه في العديد من البنايات على امتداد منطقة الخليج، أما في حالة المساجد فتلك ـــ كما يقولون ـــ قصة أخرى.
لسنا هنا حيال أمر يتعلق بالذوق الذي تقبله أنت وقد لا يقبله غيرك، وإنما نحن حيال ارتباك حقيقي في بنية هذا العمل المعماري لا يزال ينعكس حتى اليوم ليس في الأبعاد الجمالية فحسب، وإنما على المستوى الوظيفي نفسه أيضاً.غير أننا، بعد أن قلنا هذا، لا بد لنا من المبادرة إلى إنصاف جوانب أخرى في هذا العمل المعماري المهم.أنت هنا حيال محاولة نادرة المثال لتحقيق تداخل فريد بين الكتلة والفراغ، وأمام استحضار مبكر لملامح بالغة الروعة والجمال من العمارة الفاطمية والمملوكية على نحو ما تنعكس في مئذنتي المسجد وقبته.وفي داخل المسجد تجد نفسك أمام غابة من الأعمدة الممتدة التي ترفع السقف عبر آماد لا تنتهي من العقود.
ويلفت نظرنا في داخل المسجد التوظيف الرائع، والنادر في الإمارات بل وفي منطقة الخليج عموماً للخشب، الذي يتحول هنا إلى مادة تعانق الأعمدة وتمتد إلى أطراف تيجانها في محاكاة تجريدية جميلة لجذوع النخيل.ويصل هذا التوظيف البديع للخشب إلى ذروة رفيعة في جدار القبلة، حيث يشمخ المحراب معتمداً على جماليات الخشب وحده، في تجريد يرفض إشراك الزخارف والنقوش.وما أجمل هذه البساطة التي توظّف الخشب في إبداع منبر بسيط يؤدي وظيفته من دون أن يفقد جماليته الرشيقة البهية.
كامل يوسف -تصوير: يونس الأمير



