يعمل في مجال يفتقد الكوادر المواطنة التي ينبغي أن تتواجد في كافة المجالات العملية إلا أن إصراره وعشقه لهذه المهنة التي يهواها منذ سنوات طويلة جعلته منه من بين موظفيها »شيفاً« لأن العمل من وجهة نظره لا ينجح أو يرتقي إلا بالعزيمة وعدم الاهتمام بنظرة الآخرين الذين يرون أن مثل هذه الأعمال لا تليق بأبناء الدولة.
وما يتبعه من رفض قاطع من الأهالي بإدخال فتياتهم في هذا المجال، لذلك وجد »الشيف« علي سالم مكانه المناسب في العمل منذ سنة وثمانية أشهر فقط عندما التحق بمجموعة جميرا للضيافة على الرغم من هوايته للطبخ منذ بداية التسعينات والتحاقه للعمل في مجالات مختلفة. حيث عمل بعد تخرجه من الثانوية العامة في القوات المسلحة مرورا ببلدية دبي لمدة ستة أشهر (فني تغليف وتجليد) إلى أن عمل في مكتب عقاري لمدة سنتين ونصف السنة بعدها قرر ممارسة هوايته بهجر هذا العمل والالتحاق بالمجموعة ليكون واحدا من بين أفرادها بعد طول انتظار.يالتقيناه بفندق أبراج الإمارات وهو المقر الذي يعمل فيه طاهيا في القسم العربي من المطبخ الرئيسي للفندق الذي يوزع المأكولات العربية على أربعة مطاعم فيه وكان الحوار التالي:* نود معرفة بداياتك مع إعداد الأكلات؟
- لا شك أنني من عشاق تناول طعام تعده لي ست الحبايب «الوالدة»، فكنت دائما أكتسب منها المعلومات حول طريقة التحضير والخلطات التي تضعها على أي أكلة، وخلال أسفارنا المتكررة إلى (سلوفاكيا) مع الأصدقاء سئمنا من أكل المطاعم ومن هناك كانت انطلاقتي الحقيقية في إعداد الطعام لاسيما الإماراتي .وكانت أول طبخة أعددتها هي الأرز الأبيض مع «الجاشع» وتوال بعدها إعدادي للأصناف الإماراتية التي كنت من خلالها على اتصال دائم بوالدتي لأخذ المقادير فشعرت في تلك اللحظات أنني أصبحت قادرا على الطهي وبعد رجوعي الى الدولة كنت في كثير من الأوقات أعد الطعام في المنزل ولأصدقائي في الرحلات البرية.* ما الذي دفعك للالتحاق بمجموعة جميرا للضيافة؟ - الى جانب هوايتي في الطبخ امتلكتني رغبة كبيرة في تطوير الأكل الإماراتي من خلال ابتكار إضافات مختلفة من الأعشاب تضاف الى الطعام من جهة، وتغيير طرق التقديم من جهة أخرى لاسيما أن المطبخ الإماراتي يحتوي على مأكولات غنية وشهية إلا أن التقديم غير مناسب ولا ينال إعجاب أغلبية الشعوب وخاصة الأجانب، فقبل التحاقي مباشرة للعمل بالمجموعة خضعت لاختبار من قبل فندق برج العرب.
وأبراج الإمارات في الطهي بإعداد مقبلات عربية باردة وساخنة والأوزي والعصيدة والمجبوس الإماراتي وبعد نجاحي في الاختبار التحقت ببرنامج تدريبي تنظمه المجموعة مدته ستة أشهر وهو برنامج (مهارات) الذي اشتمل على برامج ومحاور متعددة منها تعليم اللغة الانجليزية، التعريف على الحضارات، الاطلاع الكامل على قوانين مجموعة جميرا، شروط الزي وأهمية النظافة، كيفية الاهتمام بالمظهر الخارجي.
وبعد الانتهاء من البرنامج تم تدريبي على الأقسام المختلفة في المطبخ لمدة سنة كالقسم العربي والبارد، الملحمة، الحلويات، المعجنات بالإضافة الى التعرف على مطابخ قاعات الأفراح وكيفية التحضير للحفلات والأفراح وبعدها التحقت لمدة شهر في أكاديمية الإمارات ضمن برنامج تعريفي للموظفين في المجموعة تم من خلاله تعريف الموظف بالحقوق والواجبات وتطلعاته المستقبلية للتطوير.
وأضاف : أكسبني وجودي من خلال التدريب على الأقسام في المطبخ أدق التفاصيل في إعداد الأكلات المختلفة وكيفية مسك السكين بشكل صحيح في تقطيع الخضراوات والفاكهة لدرجة أنني استمررت لمدة 15 يوماً في التدريب على تقطيع الطماطم لعمل «التبولة».
* تمتلك هواية الطهي منذ سنوات طويلة، لماذا تأخرت في الالتحاق بالمهنة؟
- أسباب عديدة جعلتني أتأخر في الالتحاق بها، أهمها عدم وجود الفرصة للالتحاق بالتخصص لدراسة هذا المجال والذي يعود الى قلة الوعي المجتمعي بأهمية هذه الدراسة وعدم تشجيع أبناء الدولة للالتحاق بها.
إضافة الى نظرة المجتمع الدونية للمهنة لدرجة أن أحد المواقف التي لن أنساها خلال عملي عبارة وجهها لي أحد زبائن المطعم عندما سألني عن طبيعة عملي فيه فقلت إنني «شيف» فقال يعني (طباخ) فهنا حاولت أن أبين له أن مهنة الطاهي مهمة للغاية ولها قيمة إضافة الى انه أحد أسباب نجاح المكان الذي يعمل فيه وتواجد الناس في المطعم و بإمكانه من خلال إعداده للمأكولات أن يجذب الآخرين من الخارج للتواجد وعمل اسم له،أو أن يبعدهم عنه.
غياب الوعي
* برأيك.. هل هذه الأسباب هي التي جعلت شباب الدولة يبتعدون بشكل كامل عن هذه المهنة؟
- بالتأكيد هناك عزوف كبير جدا من قبل الإماراتيين شبابا كانوا أم إناثا للتواجد في هذه المهنة لدرجة أننا في الدولة كطهاة مواطنين يصل عددنا الى اثنين فقط الأمر الذي يدعونا الى نشر التوعية المجتمعية بأهمية دور الطاهي وحاجة المجتمع الى كوادر إماراتية للعمل في هذا المجال لاسيما أن قيادتنا الحكيمة وتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي قد فتحا المجال أمام المواطنين للعمل في كافة قطاعات الدولة وتذليل العقبات أمامنا ما يعكس تشجيعنا على العمل دون خوف أو تردد.
* ما الصعوبات التي واجهتك طاهياً في البداية؟
- في بداية عملي انتابني شعور بالخوف والرهبة من كيفية إعداد أطعمة بمقادير كبيرة لأعداد تصل بالآلاف، فمثلا كانت بدايتي بإعداد 22 كيلو أرزا مع 36 كيلو لحما أوزي أدى بي ذلك الى الشعور بالفشل من إعداد هذه الكمية إلا أنني تغلبت على الخوف بتكليل مهمتي بالنجاح، وبمرور الوقت أثبت نجاحي وأصبحت قادرا على إعداد مقادير كبيرة جدا لأشخاص يتعدون 5000 شخص مع إعداد المأكولات للحفلات والأفراح والطلبات الخارجية لمختلف المناسبات.
أما العقبة الأخرى التي تلقيتها خلال عملي هو وجودي كإماراتي وحيد بين مجموعة مختلفة من الجنسيات الذين كانوا متوقعين لي الفشل أو عدم قدرتي على استيعاب المهنة خاصة ان الآخرين ينظرون إلينا على أساس أننا مدللون نرغب بالعمل البسيط والمريح،الا أنني أثبت لهم العكس فنجاحي أصابهم بالدهشة .
حيث أردت أن أساهم في تغيير هذه النظرة السلبية بأن ابن الدولة يمتلك العزيمة والتحدي في خوض غمار الحياة العملية مهما كانت نوعية العمل، خاصة انهم كانوا يتوقعون أنني متعال وسأعمل لساعات أقل الأمر الذي جعلني أستخدم طبيعتي في العمل بكل تواضع محاولا إزالة العقبات بيني وبينهم.
* كيف ترى العمل بعد مرور سنة وثمانية أشهر منه؟
- المشكلة الحقيقية التي لا تزال تواجهني قلة الدخل المادي الذي يشعرني بعدم اهتمام الآخرين بوجودي في هذا العمل مقارنة بالدخل الذي يتقاضاه الطاهي الأجنبي لدينا والذي يفوق دخلي مرتين، مما يتطلب ذلك دعما كبيرا من المسؤولين لتعديل الأوضاع من أجل استقطاب كوادر إماراتية بشكل أكبر حتى يجدوا ذاتهم في هذه المهنة وبدخل لا يقل عن الأجنبي الموجود بالدولة.
إضافة إلى أن «الشيف» الأجنبي في العالم بشكل عام له قيمه في المجتمع وربما يفوق دخله الشهري دخل مدير عام الا أن الدول العربية فإن الشيف العربي فيها قليل الحظ لأنه يعيش في مجتمع قليل الوعي بنوعية العمل وإدراك المفهوم الصحيح لمعنى «طاهي» أو «شيف».
* ايجابيات وسلبيات مهنة الطاهي.. كيف تراها؟
- لنبدأ أولا بالسلبيات لأنها محدودة وهي تتعلق بساعات العمل الطويلة التي تتطلب تسع ساعات كحد ثابت و حال حدوث أفراح أو حفلات أو مناسبات خارجية نضطر للبقاء في العمل لساعات تتجاوز 15 ساعة، الا أنه في المقابل فإن الطاهي الذي يدخل هذا المجال عن قناعة ورغبة لا يهتم بالساعات لأن المتعة تكمن في الشعور الذي يتخلله أثناء العمل .
وبالنسبة لي فإن متعتي الحقيقية أجدها كل يوم أثناء إعدادي أي أكلة لأنني أضيف إليها منتجات مختلفة، فضلا عن أن المهنة علمتني الصبر وقوة التحمل وفن الطهي والاندماج مع جميع الجنسيات المختلفة ومعرفة العادات والتقاليد، وكسب اللغة الانجليزية التي كانت بالنسبة لي من الأمور المستحيل اكتسابها نظرا لأنني قبل الالتحاق بالمجموعة لم أكن أدرك الفرق بين (yes و no ).
* حدثنا عن الجائزة التي حصلت عليها مؤخرا في مسابقة الطهاة؟
- بالنسبة للجوائز التي تسلمتها خلال عملي القصير في هذه المهنة عديدة منها حصولي على ميداليات ذهبية وفضية في الطبخ خلال مسابقات أجريت في الطهي في مراكز التسوق، أما الجائزة التي كنت أطمح لها وحققتها كانت في يوليو الماضي في مسابقة الطهي التي جمعت أعداداً كبيرة من الطهاة على مستوى الدولة من عرب وأجانب والتي أجريت في مركز الفيستيفال سيتي حيث حصلت على أفضل شيف عربي على مستوى الدولة.
عوافي
* تقدم عبر شاشة سما دبي ضمن برنامج مراسي «عوافي» ماذا عن مشاركتك فيها.. وما جديدك في شهر رمضان؟
- تعتبر هذه المشاركة الرئيسية لي كطاهٍ في برنامج تلفزيوني حيث منحني عبداللطيف القرقاوي مدير القناة هذه الفرصة من أجل إبراز هذه المهنة لدى أبناء الدولة، حيث منحني برنامج مراسي فرصة للانطلاق بالمهنة والتقرب إلى الجمهور بشكل أكبر وتعريفهم بي وبأفكاري في كيفية إعداد الأطعمة، أما خلال الشهر الفضيل ستكون لي مشاركة يومية في البرنامج وستكون فقرة عوافي من الفقرات الرئيسية فيه كوني سأعمل على إعداد وجبة الإفطار والحلويات والسحور.
* كيف تقضي يومك في العمل مع الشهر الفضيل؟
- في رمضان تختلف طبيعة العمل الا لأنني أحاول قدر الإمكان تناول الإفطار في المنزل الا في حالات وجود حفلات إفطار في الفندق فنضطر إلى البقاء والعمل بعيدا عن أجواء الأسرة والعائلة التي تتميز اجواؤها في الشهر الفضيل، لكنني أعوض هذه الأيام خلال إجازات نهاية الأسبوع بالتواجد بين أسرتي وإعداد الأطعمة بمفردي.
درجة أولى
* ترى أي المطابخ التي تقدم مأكولات غنية وطرق تقديم متناغمة تراعي أذواق مختلف الجنسيات في العالم؟
- يعتبر المطبخ الايطالي من أنجح المطابخ في العالم و يحظى بسمعة عريقة بين الأفراد كافة لما يتمتع به من قدرة على استخدام كافة الأعشاب والمنتجات أثناء تحضير الأطعمة وإدخال مختلف النكهات إليها، فضلا عن ابتكاراتهم الرفيعة في طرق تقديم الأطعمة التي تنال استحسان كافة أذواق الناس مما جعل المطبخ الايطالي من أنجح المطابخ في العالم.
* وماذا عن المطبخ الإماراتي؟
- نمتلك في الإمارات العديد من الأكلات الرائعة التي تمكنت من خلال عملي من إدخال العديد من الخلطات والأعشاب العالمية المختلفة التي زادت لذتها بشكل كبير الا أننا وللأسف بحاجة إلى تغيير كامل في طرق التقديم حتى نصبح من المطابخ العالمية لا سيما أننا نقدم أكلاتنا بطرق عشوائية لا تتناسب مع أذواق الأغلبية من الشعوب، لذلك فإنني من خلال مهنتي كطاه مواطن أتمنى وجود مطبخ إماراتي بدرجة أولى على أرض الواقع في دولتنا يتضمن كوادر إماراتية من أجل إنتاج أكلات محلية 100 % .
* ما خططك المستقبلية في مجال الطهي؟
- أسعى بعد شهر رمضان المبارك الى إصدار كتيب يحتوي على الأكلات المختلفة التي سأعمل على إعدادها خلال الشهر الفضيل، كما أشعر أنني حققت جزءا بسيطا من طموحي، حيث أسعى في السنوات القليلة المقبلة أن أكون رئيس الطهاة للمطبخ المحلي بالدولة، وإعداد برنامج على الهواء أستضيف من خلاله فتيات لا يدركن قواعد الطهي وفنونه.
منال خالد-تصوير: مصطفى الأمير



