(وجيه نحلة) فنان تشكيلي لبناني معروف.. ولد في 14 مارس (آذار) عام 1932.. بدأ الرسم وهو صغير.. درس الهندسة المعماريّة، لكنه تحوّل إلى الفن التشكيلي الذي تعلمه بنفسه ومارس أجناسه واتجاهاته كافة.. له تجربة متميزة مع التشكيل بالحروف والكلمات العربيّة وثمة من يعتبره أول فنان لبناني رسم الآيات القرآنية في أجواء طبيعيّة كالنور والنار والغيوم والماء والسماء وأغصان الشجر لكنه يؤكد أنه ليس بخطاط وإنما هو فنان تشكيلي حروفي توجه إلى مزاوجة معطيات التصوير المعاصر بالمعطيات والقدرات التشكيلية المتميزة التي يتفرد بها الخط العربي عن غيره من الخطوط.

عندما طلب منه أستاذه الفنان الرائد (مصطفى فروخ) البحث عن الكنز في داخله، وقد أعطاه الفكرة في آخر حياته عام 1955، كان وجيه نحلة يومها مهندساً يعمل في وزارة الأشغال لكنه استقال من أجل التفرغ للفن.يومها قال له أستاذه (مصطفى فروخ) لا تنبهر بما يأتي إلينا من الغرب ابحث عن الكنز في الشرق، نحن بلد النور والعطاء. ويومها احتار الفنان الشاب مما قاله أستاذه، لكنه بدأ الرحلة من متاحف دمشق وحلب وتركيا. كان يظل عشر ساعات يومياً دون طعام، لقد انبهر بكل شيء في المتاحف العربيّة الإسلامية القديمة، اكتشف العامل المشترك بين جمالية الأرابيسك في شرقنا العربي وتراثنا الإسلامي، ألا وهو الخط العربي الرائع والجميل.

لقد اكتشف وجيه نحلة أن الحرف العربي هو مفتاح الكنز في داخله، فهو الحرف الوحيد في العالم القابل لتشكيل النقط والدوائر والألف والنون والسين. يقول وجيه نحلة أنه منذ طفولته لعب بالألوان وتطلع إلى الجمال. مشاهدته للطبيعة خاصة في الربيع حيث النور والألوان والزهور تسربت إلى أحاسيسه ووجدانه وذاكرته دون أن يشعر. ومع الوقت تراكمت هذه الجماليات في مخزونه الداخلي. وعندما بلغ سن الرشد انفتح هذا المخزون وبدأت فاعليته فأخذ طريقه إلى المسار الفني في المخيلة في العمق في الداخل، هناك النورانيّة واللونيّة والشفافيّة. اشتغل في بعض مراحله الفنيّة على الانطباعية لكن منذ طفولته كانت تتملكه نزعة للتغيير.

حبه للحرف العربي بدأ في مرحلة الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان عندما طلب منه أهل حي الصنائع في بيروت كتابة شعارات وطنية على جدران الحي، بعدها قام جاره الشيخ محمد المناصفي الذي كان يكتب الخط العربي بتعليمه القواعد الاثنتي عشرة للخط العربي. في الرابعة عشرة من عمره تعرف على الرائد (مصطفى فروخ) الذي حرضه على البحث عن الكنز في داخله، وهذا ما كان.

اهتم الفنان وجيه نحلة بالخطوط الفنية خارج القواعد فقد كتبها بطريقته الخاصة. طوّر في شكل الحرف ونفذ مئات اللوحات اعتماداً عليه. لقد اكتشف هذا الفنان جمالية الشرق وجمالية الفن الإسلامي والتراث العربي قديمه وحديثه، وانطلاقاً من هذه الجمالية ولج إلى عالم الحروفيّة بإطارها غير الخطي، أخذ منها الرمز والحركة والنزعة الروحيّة وانطلق للبحث عن جذور الحرف.

في عام 1962 بدأ مرحلة التراثيات واستمر فيها حتى السبعينات. بعد زياراته الكثيرة إلى البلدان العربية والإسلامية فيها أيقن أن الحرف العربي هو الذي يمثله روحياً وزمنياً، فتوجه إليه ليجد فيه إمكانية كبيرة على التشكيل والتعبير، فمعماره المؤلف من الخطوط والدوائر والمستقيمات والأقواس والنقاط، منحه حرية على التأليف والتشكيل والتعبير، كما أن جذور الحرف العربي ترفل بأبعاد فلسفيّة وفكريّة عميقة.

نزعة التأمل لديه، قادته إلى نزعة التحرر من كل ما هو مألوف، وهذا ما دفعه إلى السير عكس التيار. اختبر كل التقانات الفنية في العالم ومارسها.اشتغل في حقل الرسم، والتصوير والنحت والحفر المطبوع وتعلم السيراميك. أخذ تقانات الغرب في التجريد، لكنه نفذه بروحيته.

أثناء فترة الحرب الأهلية اللبنانية، اعتكف الفنان وجيه نحلة في منزله وانكب على إنتاج مجموعة من اللوحات المائيّة تناول فيها موضوعات صوفية منها (المولوية). كما قام بالاتصال بزعيم الصوفية في السودان، واطلع على فكر إخوان الصفا، وتواصل مع الدراويش في تركيا، وقام بممارسة التصوف ذهنياً. تأمل وذهب إلى الآفاق لينعتق ويصل إلى حالة الفيض والإشراق، ثم يعكف على الانطلاق بالعمل من درجة الصفر وبعد ثماني ساعات يصل إلى الذروة.

وحول فيما إذا كانت الحروفيّة قد أسست للوحة تشكيلية ذات هوية عربية أو أنها سقطت في التجريد، يقول الفنان وجيه نحلة بأن هدفه الأول الذي انطلق منه عام 1962 كان الوصول يوماً إلى مرحلة اسمها (التشكيل العربي). المشروع لا يزال قائماً، ويشتغل عليه إلى جانب الفنان نحلة مجموعة كبيرة من التشكيليين العرب، ومن الحروفيين وغيرهم والأمل كبير في تحقيق هذا الهدف الفني القومي الملح.