ونحن أخي القاريء الكريم وقد قطعنا ــ والحمد لله ــ أكثر من ربع الشهر الفضيل تقريباً في طاعة الله والإخلاص له في العبادة بهذا الصوم الذي اختصه سبحانه وتعالى لنفسه دون سائر العبادات ــ كما جاء في الحديث القدسي «كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» وهذه الخصوصية للصوم تأتي من أنه تربية للضمير في الإنسان، فأنت وأنا وهي نصوم لله رب العالمين لا رقيب علينا في ذلك إلا العالم بالسر وأخفى.
وهذه الخصوصية للصوم والتي اختص الله بها شهر رمضان دون سائر الشهور فكان الشهر الوحيد الذي ورد ذكره في القرآن، جاءت من كون هذا الشهر نزل فيه القرآن، جاء به أمين وحي السماء جبريل عليه السلام إلى أمين التبليغ للرسالة في الأرض محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أجل ذلك كان هذا التميز لرمضان بذكر اسمه في القرآن لأن هذا الذكر لا يكون إلا للمصطفين الأخيار من خلق الله كذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء المرسلين، ومريم التي اصطفاها الله على نساء العالمين.بعد ذلك كله أفلا تكون لنا وقفات مع هذا الكتاب الكريم، الذي هو على حد تعبير الدكتور عبدالله شحاتة عليه رحمة الله، كل الشريعة وأصل أصولها، والذي هو تبيان لكل شيء. قال تعالى: «ما فرطنا في الكتاب من شيء».
وهذا خليفة رسول الله، الصديق أبو بكر رضي الله عنه الذي عاش مع القرآن معايشة الفهم والتدبر والتصديق بما جاء فيه قال: «لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله» وليتنا مثلك أيها رفيق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالصدق وصدقت به من أول وهلة ودون لحظة تردد، ليتنا نفهم القرآن فهمك له.
ونبدأ وقفاتنا مع القرآن الكريم بما بدأ به كتاب الله، نبدأ بسورة الفاتحة.. هذه السورة ذات الآيات السبع والتي تدخل البسملة ضمن آياتها على غير سور القرآن الأخرى «أنظر يا أخي في مصحفك تجد أن «بسم الله الرحمن الرحيم» هي الآية الأولى من آيات الفاتحة.
وهي السورة التي نتلوها سبع عشرة مرة على الأقل في صلواتنا المكتوبة عدا النوافل، ونتأمل في هذه السورة الكريمة ذات الآيات السبع وقد روى علماؤنا المفسرون أنها هي «السبع المثاني» التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم «ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم» سورة الحجر ــ الآية 87.
وقد أكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد بن المعلَّى قال: «كنت أصلي في المسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجبه حتى صليت ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، قال: «ألم يقل الله «استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم» ثم قال: «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟» فأخذ بيدي.
فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله، إنك قلت: لأعلمنك سورة من القرآن، قال: «الحمد لله رب العالمين.. هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته فما احرانا أن نعيش مع هذه السورة التي نوه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوصفها بأنها أعظم سورة في القرآن العظيم.
والدليل على عظمة هذه السورة الكريمة أنها فاتحة القرآن في المصحف الشريف، وهي سورة الصلاة نرددها فيها ولا تصح صلاة دونها، وجاءت تسميتها بــ «الصلاة» من رب العزة جل جلاله وقد ورد ذلك في الحديث القدسي الذي رواه مسلم، وجاء فيه: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي.
وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: أهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
فهذه السورة الكريمة في هندسة بنيانها مقسمة ــ كما ورد ــ بين العبد وربه، فهل أعظم من ذلك تركيب وبنيان؟ ويذهب الاستاذ محمد عادل القلقيلي إلى أن فاتحة الكتاب قائمة على فكرة التربية فالسورة تبدأ بــ «الحمد» ولمن؟ للمربي الأعظم سبحانه «رب العالمين».
ومن معاني الرب: المربي فلا غرابة أن تكون الفاتحة سورة التربية، إذ هي مقدمة القرآن الكريم، كتاب الرسالة الإسلامية، وهل الرسالات السماوية إلاَّ رسالات تربية، يربي الله تعالى في كل منها أحد رُسُله تربية مثالية، ثم يكلفه بتربية أمته التربية السليمة.
والتأكيد على أن الرب هو المربي ما جاء في أول سورة في التنزيل، حسبما ذهب إليه المفسرون وهي سورة «العلق» والتي هي دعوة للتعليم وهذا التعليم مرتبط بالتربية، الا ترى أن في بلادنا نسمي هذه الوزارة المعنية بهذا الأمر بــ «وزارة التربية والتعليم» والتربية تسبق التعليم.
فلا تعليم يعود بالنفع ما لم يكن مبنياً على التربية السليمة ورب العزة العليم الخبير بدأ رسالته الخالدة إلى خاتم أنبيائه بهذا الترتيب ــ سبحانه ــ فقال: «إقرأ باسم ربك الذي خلق» والرب يعلم ــ كما في قوله تعالى: «إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم».
ولنا أن نتأمل كيف تصنع التربية والتعليم من الطفل الذي يجيء المدرسة مادة خامة ومن ثم يتدرج في مدارج التعليم حتى يتخرج رجلاً عالماً مفكراً، ومن هنا نعلم أن سورة «الفاتحة» بحسبانها سورة للتربية، فقد خصت بهذا البرنامج اليومي الذي يجعلها تتكرر لتثبت أسس هذه التربية في نفس المسلم، فوا عجباً لمن يعايشها ثم لا تنغرس التربية السليمة في نفسه.
