كانوا على وشك العودة من (المقيظ) عندما أخبرته والدته أنه قد كبر وأصبح في السن التي تؤهله لتعلم القرآن وأنهم سيلحقونه بمدرسة المطوعة «مريم بنت سالم» عند عودتهم إلى المدينة.

كان مجرد ذكر اسم «مريم بنت سالم» يبث الرعب في نفوس الأطفال الذين هم في مثل سنه لما عُرِف عنها من حزم في تدريس القرآن الكريم، وشدة في التعامل مع الذين يتهاونون في حفظه، فقد كانت العصا لا تفارق يدها وهي جالسة وسط حلقة الأولاد والبنات الذين كانوا يتعلمون القرآن ويحفظونه على يدها.

دارت عشرات الأفكار في رأسه وهو يفكر في كلام والدته ويقلبه على كل الوجوه. تمنى لو يطول (المقيظ) قليلاً حتى يتأخر تنفيذ هذا القرار الذي فاجأه وأربك جميع حساباته التي كانت كلها محصورة في اللعب، لكنه استجمع شجاعته واستعاد رباطة جأشه وهو يحشد مقدرته على مواجهة أكبر التحديات وتخطي أصعب المواقف التي تتناسب مع سنوات عمره القليلة التي كانت تقارب الخمس.

كانت أخته الكبرى قد سبقته إلى مدرسة «مريم بنت سالم» وهي على وشك أن تختم القرآن الآن، وكان يترقب هذه المناسبة بلهفة عارمة لأنه يحب كثيرا موكب (التومينة) الذي يطوف بخاتم القرآن على كل بيوت (الفريج) و(الفرجان) المجاورة لجمع الهبات المكونة من المواد الغذائية عادة.

ومنحها المطوعة مكافأة لها على الإنجاز الذي حققته بتحفيظ القرآن لأحد أبناء الفريج أو إحدى بناته. لذلك وجد لديه دافعاً قوياً للانضمام إلى مدرسة حفظ القرآن، أو لعله أقنع نفسه بأن هذا الدافع كافٍ لطرد الخوف الذي كان يداهم قلبه كلما تذكر أنه سيمْثُل بعد أيام قليلة بين يدي «مريم بنت سالم».

لم يكن دخول مدرسة القرآن الكريم التي كان مقرها بيت «المطوعة» تجربة صعبة عليه وإن كان قد عانى قليلاً في الأيام الأولى حتى استطاع التأقلم مع جو الدراسة الذي كان مناسباً لتلك المرحلة بكل ظروفها. كانت «مريم بنت سالم» رفيقة به، ربما لصغر سنه.

وربما لحرصه على تنفيذ أوامرها وحفظ كل السور التي كانت تكلفه بحفظها، ليس خوفاً من العقاب كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، وإنما لطبيعته التي تقبل التحدي دائماً، وحرصه على أن لا يبدو أقل من غيره، هذا إن لم يفق هذا الغير مثابرة وحرصا على التعلم وقدرة على الفهم، مع إبعاد مظنة الغرور عن نفسه.

كانت أيام الأسبوع تمضي بطيئة، حتى إذا ما جاء يوم الخميس حرص على أخذ (الخميسية) معه لمعلمته، حيث كان الدارسون لديها يحملون إليها مبالغ صغيرة من المال لا تتجاوز الدرهم بعملة هذه الأيام مكافأة لها على المجهود الذي تبذله في تعليمهم، والأهم من ذلك إراحة الأهل منهم، لاسيما الأمهات اللواتي يتفرغن لأشغال البيوت.

حيث لا خادمات ولا مربيات، ومع ذلك كان الأبناء يولدون ويكبرون ويتعلمون ويخرجون لمواجهة الحياة وهم أكثر قدرة على الاعتماد على أنفسهم، بخلاف أبناء هذه الأيام الذين يتربون على أيدي الخادمات فيجدون كل شيء مهيئاً لهم، إلى درجة أن الطعام يأتيهم في أسرتهم وهم يتفرجون على برامج التلفزيون أو يمارسون الألعاب الالكترونية التي تضيق بها غرفهم.

لبت «مريم بنت سالم» نداء بارئها بعد أن أدت مهمتها على خير وجه، ومضت أيامها التي لم يبق من آثارها سوى الجيل الذي تربى على يدها ومازال يتذكرها هي والمعلمين والمعلمات الذين كانوا رموزا يومها، وأتى زمن لم يعد فيه لأمثال تلك الرموز مكان كما هي عادة أحوال كرِّ السنين والأيام.

aliobaid2000@hotmail.com