بحيرة بايكال تقع في روسيا، وهي صورة إبداعية من صنع الطبيعة الربانية ويتمثل جمالها في الاقتران بجبالِ سايان Sayan العظيمة ونهر لينا، ونهر أنجارا Angara الذي ينقل مياه بايكال الحلوة إلى بحر ينيسي Enisey العظيم، وكأن هذه البحيرة أتت إلى هذا المكان مِنْ كوكب آخر بهيج أكثر وفرةً، حيث يَعِيشُ السكان في انسجام تام مع الطبيعة.

وهناك أسطورة تقول إنه كانت هناك غابة برّية حيث تضطجع الآن بحيرة بايكال الجميلة، وأعداد لا تحصى من الطيور والوحوش والحيوانات، والمنطقة موحشة غير قابلة للعبور، عاش فيها طائر النار الذي باستطاعته أن يُحوّل صخرة كبيرة إلى غبار بضربة واحدة مِنْ جناحِه، وكان الناس مرعوبين منه فطلبوا المساعدة من البطل الشجاع الذي عاش بينهم ليقتل هذا الطائر المرعب، فصنع قوساً من 100 شجرة وصنع سهاماً من 200 شجرة صغيرة.

وضَربَ طائر النار بسهامه فتطايرتْ النيرانُ والتهمت سطح الأرض لحظة ملامسته، وبَكى الناس الخائفونَ وصاحوا «بايكال بايكال»، وفجأة رَأوا ماء يخترقُ النيران فنشأت بحيرة ضخمة، فدَعا الناسُ هذا المكان «بايكال» تكريماً للحدث الذي مَنحهم الحياةَ في غابات التايغا taiga الموحشة.

بايكال إحدى عجائب العالم الطبيعية المليئة بالألغاز الغريبة والاكتشافات، والاسم مصدره كلمتان تركيتان الأولى باي bai (غني) والثانية كال kul (بحيرة)، فريدة بجمالها المتناغم للغاية والشعور برابطة خاصة بين الطبيعة والإنسان، والغابات الزمردية معلقة كالعقودِ حول الجبالِ المحيطة، وأغاني الطيور تُخيّمُ فوق الماءِ، والزهور والأعشاب البرّية تمْلآن الهواءَ بالعطور. ورياح بارجوزاين barguzine القوية تَجيءُ مِن المصبّاتِ، بينما رياح شيلونك shelonnik الجنوبية المسالمة تداعب سطحَ الماء بهدوء.

وأشجار الأرِزْ المعمرة بلحائها الخشن السميك تشق الهواء برائحة نسغها الحادة، واقفة في مكانها منذ قرون طويلة ضاربة بجذورها في أعماق الأرض، تجعَّدت لتحمي نفسها من الرياح الجليدية الباردة القادمة من الشمال السيبيري في فصل الشتاء القارس، إن هذا الغطاء هو تاج يحمي أعشاش الطيور البرية والسناجب والقوارض التي تجمع البذور لتخزنها لفصل الشتاء داخل هذا اللحاء الخشن، وبالنظر إلى كل أجزاء هذه الطبيعة والارتباط فيما بينها، تبدو وكأنها صندوق ضمان اجتماعي لجميع من يعيش في تلك المنطقة.

تقع بحيرة بايكال في مركز روسيا «أوراسيا»، وتشبه الممر الضيق أو الهلال الأزرق الشاحب تحيط به الجبال، وتمتد البحيرة على طول 636 كم وعرض يصل في بعض الأماكن إلى 80 كم، ومساحتها 31، 500 كم مربع، وهي تساوي مساحة بلجيكا وتعتبر ثالث أكبر بحيرة في العالم، وطول شواطئها 2000 كم، وهي أعمق بحيرة للماء العذب في العالم، وتحتوي خمس المياه العذبة في الكرة الأرضية، وقد سجلتها منظمة اليونسكو عام 1996 في قائمة الموروث الطبيعي العالمي.

بالدخول لمسافة حوالي 70 متراً على ظهر مركب من ميناء ليستفيانكا Listvianka حيث عمق المياه يصل إلى 10 أمتار وسطح الماء هادئ ووضوح الرؤية مثالي، من الممكن مشاهدة كل الأحجار في قاع البحيرة بشكل مذهل، وبالدخول لمسافة أكثر والنظر إلى المياه من الممكن مشاهدة اللجة الحقيقية، عمق المياه 1300 متر والمفاجأة هي لمعان الأحجار في قاع البحيرة عاكسة ضوء الشمس، والعتمة التامة كالهاوية.

تشكلت بحيرة بايكال قبل حوالي 15 ـ 35 مليون سنة على طول منخفض النشاط الانكساري في قشرة الأرض بعمق أقصى يبلغ (1630 متراً) وينبع الماءُ الحار بشكل دائم من أرضيتها، وتؤشر الاهتزازات على وجود نشاط تكتوني مستمر على طول خَط التصدع، يرفد بحيرة بايكال 336 رافداً، والنهر الوحيد الذي يَتدفّقُ منها هو نهر أنجارا Angara، وسبعون بالمئة من المنطقة الساحلية تعتبر أرضاً محمية ذات خصوصية وتضم حديقتين عامتين.

يتميز موقعُ البحيرةَ بتفرديتِه البيئيّة في مركزِ شرق سيبيريا، بمناخها القاري شديد التباين بين درجاتِ الحرارة صيفاً وشتاءً، لكن سكان المنطقة الأصليين من شعب يفينك Evenk وشعب بوريات Buryat استطاعوا التكيّف مع فصولِ الشتاء المثلجة الطويلة والقاسية وفصول الصيف القصيرة الدافئة، وتسجل بايكال أيضاً كُل مؤشرات المناخ البحري لوجود الأنسام الساحلية والهواء الحار ذي التأثير الشفائي القادم مِنْ السهولِ المنغولية في الصيف.

كما سجل العلماء نظاماً معقّداً مِن الرياح في منطقة ما وراء البايكال بمناخها الفريد، حيث يحتفظ المحيط الحيوي بتغير دوري في اتجاه الرياح بشكل موسمي ويومي، فالرياح الموسمية تَلتفُّ مطويةً في الجو الساحلي لتغنيه بجزيئات اليود وجزيئات دقيقة أخرى. وعلى الرغم مِن هذه التَشْكِيلة الكبيرة للرياح فإن السكان المحليّين أطلقوا الأسماء على كُل واحد منها.

فمثلاً: التيار الهوائي الجاف الدائم وهو الأقوى والأطول يَدْعونه فيرخوفيك verkhovik ويعني (الريح العليا)، إذ يَنْشأُ هذا التيار في وادي أنجارا الأعلى Angara محولاً البحيرة إلى بحر حقيقي مظلم المياه عالي الموج يطرد كل الصيادين إلى الخارج ويتوقف الصيد في البحيرة وحولها، والريح الأخرى هي ريحُ المرتفع القوية والخطرة على الملاحة، وهناك رياح مثل بارجوزاين barguzine وكولتوك kultuk، وسارما sarma، التي تهب في أسفل الوديان النهرية محدثة صخباً وصفيراً يطرد الصيادين ويمنع صيد السمك وصيد الحيوانات الأخرى في المكان.

وفي فصل الصيف تكون البحيرة تحت رحمة رياح شيلونيك shelonnik الجافة الدافئة القادمة من منغوليا عبر جبال كامار دابان، وهو مؤشر على بداية ذوبان الثلوج وبداية الطقس الدافئ، وفي شهري يوليو وأغسطس تأتي الرياح الصيفية الدافئة من الجنوب، وتهب أحياناً رياح الأراضي المرتفعة highlander القوية.

أما بقية أوقات السنة فيكون الجو بارداً، وعلى جزيرة أولخون Olkhon فالطقس جاف ودافئ في يوليو وأغسطس وتُشرقُ الشمسُ اللامعةُ وتبقى حتى وقت متأخّر، والمكان الأكثر رطوبة في البايكال هو سلسلة جبال كامار دابان الواقعة في الجزءِ الجنوبي الشرقيِ للبحيرة.

أعجوبة بايكال

على مدى ملايينِ السنين تطورت الحياة البيئية النادرة عبر التقاء الماء والأرض فقدمت أصنافاً فريدة من الطيور والحيوانات للعيش في هذا المكان، مثل: الغاق الكبير واللقلق الأسود ونِسْر السهوب والنسْر الذهبي والنسْر الأصلع وقنفذ الدوريان Daurian والكثير الكثير، أما على سفوح الأراضي المرتفعة وفي عمق غابات التايغا taiga فهناك الكثير من قطعان الأيل والرنة والظبي السيبيري، ومن الممكن أيضاً مشاهدة السمور وهو حيوان مفترس حذر وذكي جداً، أما القوارض وآكلة الحشرات وعددها بالآلاف فإنها تحتل المرتبة الثانية في تصنيف البنية البيئية.

في المجموع هناك حوالي 2600 نوع مِن الحيوانات يَسْكن البحيرة، ومنطقتها الساحلية. تَجتْذبُ المناظر الطبيعية الرائعة وغناها بالنباتات والحيوانات بالإضافة إلى جمال أشجار صنوبر أنجارا المشهورة التي تجاوز عمرها 800 سنة السياح البيئيين ومحبي الطبيعة من كل مكان.

هناك أسطورة تقول ان روح بايكال تسكن جزيرة أولخون، العالم الغامض لحجر الشامان shaman والقناع الشاماني الذي يغطي الصخور في الخلجان والمضايق في هذه الجزيرة الغريبة التي تحتوي على عِدّة بحيرات مثل بحيرة نورسكويي Nurskoye وبحيرة نوكو نور Nuku Nur الغنية بالحياة المائية وبحيرة خانكوي Khankhoy التي ما زالَتْ تَخفي مِئات الأسرار لآثار حضارات قديمة سكنت المكان، والأعجوبة الفريدة على هذه الجزيرة هي بحيرة شارا نور Nur Shara المالحة.

أما سهول بري بايكال Pribaikal فهي أراض شاسعة تحتوي على مناظر خلابة وبحيرات مالحة جميلة. إحدى عجائب بحيرة بايكال هي فقمة البايكال التي تعيش في الأجزاء المتوسّطة والشمالية للبحيرة وتنتسب إلى الفقمة القطبية التي تشتهر بفرائها الغالية جداً ولحمها السمين والطري الذي لَهُ خصوصيات شفائية.

وفي الوقت الحاضر الفقمة محمية من الانقراض بسبب اصطيادها بشكل غير قانوني وتعيش 50 سنة فقط، ونتيجة لهذه الحماية وصلت أعدادها في الفترة الأخيرة إلى 82 ألف حيوان ومع ذلك ما زالت فقمة الماء العذب الفريدة تعتبر من الأنواع المعرَّضة لخطر الانقراض.

وهناك أسطورة رومانسية تُوضّحُ كَيفَ اتصلت الأنهار بالبحيرة، وتقول انه عندما وقعت أنجارا بنتُ بايكال في حب ينيسي الوسيم، رفض والدها بايكال الموافقة على هذه العلاقة لأنه كان يحبها كثيراً ولا يريدها أن تبتعد عنه، فمَنعها من مقابلة ينيسي فهربت مخترقة الصخور الساحلية إلى أن وصلت إلى محبوبها وهكذا اتصلت بحيرة بايكال ببحر ينيسي.

فأرسلَ الأب الحزين إبنه إركوت Irkut لمراضاتها لكن أنجارا أقنعت أخاها بالبَقاء مَعها وأصبحَ صديقاً لينيسي Yenisei ومازالت أنجارا Angara الحرة متصلة مع حبيبها بتدفقها الأبدي مِنْ بايكال جالبة ماءها العذب إلى حبيبها ينيسي الوسيم. وهناك نسخة أخرى للأسطورة تقول ان بايكال Baikal رَمى صخرة عملاقة يَدْعوها الناس المحليين الآن صخرة الشامان أمام ابنته ليوقف تدفقها باتجاه ينيسي لكنه لم يستطع ومازالت هذه الصخرة موجودة في مجرى نهر أنجارا الذي يسيل باندفاع.

بيئة غنية

لَيست الفقمات فقط تحتاج للحماية في هذا المكان بل الكثير من الحيوانات النادرة الأخرى وبعض الأنواع من الأسماك المعرضة لخطر الانقراض. إن البحيرة غنية بالأسماك حيث يوجد هناك حوالي 58 نوعاً من الأسماك فلذلك تجذب عدداً كبيراً جداً من الصيادين المحليين والأجانب.

هناك أسطورة حول السمك القيصر Tsarfish الذي يَعِيشُ في أعماق بحيرة بايكال Baikal، تقول: ان العديد مِن الصيادين حاولوا الإمساك بهذه السمكة لكنهم لم يستطيعوا سوى واحد نجح في المحاولة لكن السمكة سحبته مع مركبه الصغير بشكل قوي في عرض البحيرة بعيداً عن الشاطئ، فوجد الرجل نفسه وحيداً والأمل ضعيف في البَقاء على قيد الحياة.

في هذه الأثناء بدأت السمكة بسَحْب المركب إلى الأسفل تحت سطح الماء فأدرك الصياد الخائف بأنّه إما أنْ يَتْركَ السمكة تَذْهب أَو يغرق، فقرر تَركها كي ينجو بحياته. هذه الأسطورة هي حكمة ودرس واضحين بأن الطبيعة تهلك التطفل الإنساني في نهاية المطاف.

إعداد: مرعي أبازيد