كيف يحيا المسلمون في النمسا؟ في أي المناطق يتركزون بها؟ كيف تمضي حياتهم اليومية؟ ما هي المصاعب التي يواجهونها؟ ما هي طموحاتهم وتطلعاتهم بالنسبة للمستقبل؟ إلى أي حد تتاح لهم فرص الاندماج في المجتمع من حولهم والتعامل معه في سهولة ويسر؟ ما هي وضعياتهم القانونية؟ ما هي الهيئات التي تعبر عنهم ويتاح لهم من خلالها المشاركة في الحياة النمساوية العامة؟
كل هذه الأسئلة وغيرها من علامات الاستفهام تثير الفضول في ضوء الطبيعة الخاصة للعلاقة بين النمسا تاريخياً وبين الإمبراطورية العثمانية، آخذاً في الاعتبار أن الغالبية الكاسحة من المسلمين في النمسا اليوم تتألف من الأتراك في المقام الأول.وهذه الأسئلة تستمد وجاهتها، من ناحية أخرى، من الحماس الذي تبديه النمسا، في إطار الاتحاد الأوروبي، لحوار الحضارات، وهو حماس تم التعبير عنه بصراحة ووضوح على المستويين الرسمي والشعبي على السواء.
حديث الأرقام الحقيقة الأولى المتعلقة بالمسلمين في النمسا هي أن تعدادهم اليوم يبلغ 335 ألف نسمة، الأغلبية العظمى منهم من أصول تركية، ويقدر المسلمون ذوو الأصول التركية في النمسا بـ 134210 نسمة، والمجموعة التالية تنتمي إلى أصول بوسنية وقوامها 96210 نسمة، ويشكل مسلمون من دول أخرى.
أبرزها إيران ومصر وسوريا والعراق ولبنان والهند مجموعة يتراوح قوامها بين 20 إلى 30 ألف نسمة. وينتمي ما يتراوح بين 85% إلى 90% من مسلمي النمسا إلى المذهب السني. وبالطبع يشمل إجمالي عدد مسلمي النمسا مواطنين نمساويين، هم الذي حصلوا على الجنسية بعد هجرتهم إلى النمسا وإقامتهم فيها طويلاً، فضلاً عن النمساويين الذين شرح الله صدورهم للإسلام.غير أن من المهم ملاحظة أنه من هذا الإجمالي للمسلمين في النمسا فإن حوالي 10% فقط هم من «المنظمين» بمعنى أنهم أعضاء في هيئات أو منظمات إسلامية. والمعلومات التي يتم جمعها من قبل الهيئات التي تشرف على المساجد لا تشير إلى «أعضاء» بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، أي إلى تسجيلهم في سجلات دقيقة أو دفعهم رسوم عضوية، ولكن إلى الإمكانية التي يشكلها من يشهدون صلاة الجمعة أو الأعياد.
غير أنه من المستحيل التوصل من ذلك إلى استنتاجات تتعلق بمدى قوة وعمق الصلة بين المترددين على مسجد بعينه وبين الهيئة التي تشرف على هذا المسجد، سواء أكان ذلك من خلال الموافقة الإيديولوجية أو المشاركة الدينية والاجتماعية.
هكذا فإنه من الممكن توثيق الإمكانية المحدودة نسبة لوجود المسلمين المنظمين بهذا المعنى في النمسا، ولكن ليس من الممكن توثيق الغالبية الكبرى من المسلمين الذين لا يستفيدون بصورة فعلية من الخدمات التي تقدمها الهيئات المشرفة على المساجد، إما لأنها ليست هيئات دينية خالصة، وبالتالي لا تعرف بهويتها بالإشارة إلى خدمات المنظمات الإسلامية والمساجد، أو لأنها مرتبطة بهيئات كبيرة العدد ذات طابع ثقافي وسياسي، وبالتالي لا تشدد بالضرورة على الهوية الإسلامية.
وتنبني على ذلك مسألة مهمة للغاية في السياق النمساوي، وهي أننا إذا كنا نتحدث عن الجالية المسلمة أو الإسلامية في النمسا فإن ذلك يشمل جميع المسلمين المسجلين إحصائياً، والذين تعمل الجالية الإسلامية في النمسا بالنسبة لهم كهيئة عامة، غير أن ذلك لا يعني أن المسلمين جميعاً في النمسا يشعرون بالانتماء إلى هذه الجالية أو أنهم أعضاء أو ناشطون في إطار أنشطتها.
الوضعية القانونية للمسلمين
تعد الوضعية القانونية للمسلمين في النمسا وضعية فريدة في إطار الاتحاد الأوروبي، فالهياكل التنظيمية والتكوين العرقي ــــ الديني الراهن للجاليات الإسلامية هي نتاج لهجرة العمال المسلمين في الستينات والسبعينات، الذين جاء معظمهم من يوغسلافيا وتركيا، غير أن وضعية الإسلام كانتماء ثابت قانونياً لم تجيء نتيجة للهجرة وإنما لعلاقات النمسا التاريخية مع البلقان.
حيث في أعقاب انضمام البوسنة والهرسك في عام 1908 تم الاعتراف قانونياً بالإسلام كطائفة دينية بكل ما يترتب على ذلك من حقوق وامتيازات في النمسا. وهكذا كان قانون الإسلام الصحيح الصادر في 15 يوليو 1912 هو المتطلب المسبق لتأسيس الجماعة الإسلامية للنمسا، وقد تم اتخاذ أول خطوة مهمة نحو تكريس هذه الجماعة في عام 1964 مع إنشاء الخدمة الإسلامية الاجتماعية على يد عدد من مسلمي البوسنة والهرسك.
وقد نظر هؤلاء المؤسسون إلى أنفسهم على أنهم متجذرون في صميم التقاليد الإسلامية التي تعكس تاريخاً عريقاً وممتداً في النمسا وفي البلقان، أحسوا بالتزام حياله تاريخياً وسياسياً وفقهياً، كذلك وقد نشرت المطبوعة المتداولة في صفوفهم في ذلك الحين، وهي «دير جيراد فيج» أو «الطريق القويم» بثلاث لغات هي الألمانية والبوسنية والتركية، ودعت إلى تكريس مكانة الإسلام بالتوافق مع الإسلام.وتعد النمسا هي البلد الوحيد في الاتحاد الأوروبي الذي يقر الإسلام قانوناً كدين يدير معتنقوه شؤونهم المتعلقة بدينهم بأنفسهم وبالحد الأدنى من الصلة بالسلطات العامة.
خطوات على الطريق
مع تكريس الجماعة الإسلامية في النمسا كهيئة معترف بها بمقتضى القانون العام النمساوي في عام 1979، تم إيجاد تمثيل قانوني للدولة النمساوية بالنسبة للمسلمين المقيمين في النمسا، الذين سبق أن أشرنا إلى أن عددهم يصل اليوم إلى 335 ألف نسمة.
ومن المهم أن نلاحظ أنه بينما كان المذهب الحنفي الذي ينتمي إليه غالبية أبناء البوسنة والهرسك، هو الذي تم الاعتراف به قانونياً في النمسا في عام 1912، فإنه في عام 1979 تم الاعتراف قانونياً بجميع المذاهب السنية والطوائف الشيعية، بما في ذلك الاثني عشرية والزيدية والإباضية.
بالإضافة إلى ذلك، فإنه منذ عام 1990 مثل الاتحاد الإسلامي التركي للتعاون الثقافي والاجتماعي في النمسا رسمياً المجموعة الأكبر من المسلمين، أي المسلمين ذوي الأصل التركي. ويعد هذا الاتحاد بمثابة تمثيل شبه رسمي للجنة التركية للشؤون الدينية التي كانت تعالج الشؤون الدينية للمسلمين من تركيا منذ السبعينات.
وبالتوازي مع ذلك فإن المسلمين الذين هاجروا إلى النمسا نظموا أنفسهم من حيث المبدأ على أسس تنظيمية تتعلق بالهيئات والمنظمات التي تشرف على المساجد، تماماً كما حدث في الدول الأخرى، وتعكس هذه الهيئات والمنظمات والتيارات العرقية والدينية والإيديولوجية المختلفة في صفوف المسلمين.
كامل يوسف حسين


