من بين المستشرقين الذين اتخذوا موقفا حاول التزام أكبر قدر من الموضوعية الباحثة كارين أرمسترونج. لقد أمضت ارمسترونج سبع سنوات راهبة كاثوليكية رومانية قبل البدء في بحث لنيل درجة في اوكسفورد وأخذت تدرس الأدب الإنجليزي في القرنين التاسع عشر والعشرين في بيدفورود كوليج – لندن.. بعدئذ أمضت ست سنوات تدرس في إحدى مدارس البنات. ومن بين أهم ما قدمته «كتاب محمد..

محاولة غربية لفهم الإسلام».

وفي هذا العمل تلقي المؤلفة الضوء على ما يوجه للإسلام من تهم وعلى المحاولات الدؤوبة لتأكيد هذه التهم من خلال ما يجري راهنا على ساحة العالم الإسلامي ومن ثم تسعى الى تبيان أن هذه الاتهامات لم تتحل بالموضوعية. ولتأكيد رأيها هذا تستعرض محطات كثيرة من التاريخ تكشف فيها مواقف الساسة الغربيين ورجال الدين والفكر وكيف أن هذه المواقف كانت معادية وظالمة بعيدة عن التعقل، ويغلب عليها الحقد والجهل.

والسيرة التي تقدمها أرمسترونج سيرة تحرض على التفكير كما ترسم صورة تيسر الحصول على فهم للإسلام أكثر دقة وعمقا، مؤكدة أن تفاصيل حياة النبي تلهم مبادئ وممارسات الإيمان الإسلامي في أعمق مستوى له، ورغم ذلك فإن معظم الناس في الغرب لا يعرفون سوى النزر اليسير عنه أو لا يعرفون عنه شيئا بعد أن تشكلت لديهم مفاهيم سلبية رسمتها القرون الثلاثة عشر المنصرمة. وعلى ذلك تقدم تعرض لعلاقات النبي مع زوجاته وبناته مناقشة المزاعم القائلة بأن الإسلام دين يكره النساء.

وفي معرض ردها على اتهام الإسلام ونبيه بالعنف والتعصب تبين كيف أنه على العكس، أن إيمان المرء في الإسلام لا يكتمل ما لم يؤمن بالديانات الأخرى والأنبياء الآخرين وأنه لا إكراه في الدين، في حين «أننا نحن الغربيين ما زلنا الى اليوم لا نعترف بالنبي محمد». ليس هذا فحسب كما تقول بل حيكت عبر التاريخ أساطير وترهات عن الإسلام ونبيه بشكل مخجل لا يقرها أي عقل وتورد فيضا من الأمثلة على ذلك.

وتخوض أرمسترونج في أعمال التاريخ العربي الإسلامي وتجري المقارنات بين الغرب والشرق العربي اعتمادا على معطيات هذا التاريخ وتأتي على المقارنة بين حالة العصبية التي يعيشها العرب والإسلام اليوم إزاء التفوق الغربي وتلك الحالة المماثلة التي عاشها الغرب فيما مضى إزاء التفوق العربي الإسلامي.

وتخلص الى أن العرب كانوا أكثر تسامحا ورفقا من الغربيين اليوم، فالعرب لم يسعوا الى قهر السكان ومسخ شخصيتهم بل كانوا يتسامحون حتى مع أولئك المعقدين الغربيين من التفوق العربي لكن الغرب يسعى اليوم بكل قوة الى سحق الشخصية العربية وإذلال المسلمين.

ومن هنا فهى تحمل الغرب مسؤولية حالة اللاتوازن والعنف والتعصب التي يعيشها الشرق العربي الإسلامي وترى أن طرفي المعادلة، الغرب والشرق العربي الإسلامي اللذين كانا دوما ندين عبر التاريخ الطويل هى اليوم في حالة اهتزاز عنيف وأنه ما لم يعترف الغرب بنده ويتعامل معه على هذا الأساس فستكون كارثة تضر ليس بطرف واحد بل بطرفي المعادلة معا.

mostafa1962@yahoo.com