أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.
ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسموات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
االسوبر ماركت قبل سنة 1917 كان الناس يتعاملون مع بقال الحي أو الناحية على نحو ما تعوّد عليه زبائن البقالين واللّحامين وبائعي الخضر ومن في حكمهم عبر مئات السنين: يذهب الزبون إلى الحانوت.. يعلن طلباته قليلة كانت أو كثيرةّ..
وقد يزود كل بند بقدر من التفضيل لزوم الاختيار أو التفضيل.. يستمع إلى هذا كله عبر كل زبون ومع كل عملية شراء وبيع صاحب المحل أو مساعدوه.. ثم يشرعون في تنفيذ الطلب في كل حالة من فوق أرفف منصوبة من خلفهم أو من واقع خزانات وأرفف متنوعة الأحجام والأشكال والوظائف تحتويها زوايا الدكان..وبعدها يمارسون عمليات الكيل أو الوزن حسب المطلوب ثم تدور عملية اللف والتهيئة داخل أوراق أو أكياس ويتم تحديد الأسعار وقبل أن يتسلم الزبون المنتظر طلباته فلا يخلو الأمر من خطأ في تلبية الطلب أو هفوة في حساب السعر أو سوء فهم أو سوء اتصال ينشأ بين عامل البقالة وبين الزبائن – السيدات على وجه الخصوص..
فما بالك إذا كانت مثل هذه العمليات والإجراءات والتدابير والصفقات تتم في أيام العطلات أو في المواسم الدينية أو القومية فإذا بالزحام شديد والطقس لا يساعد والزبائن مستعجلون والبقالون أو معاونوهم في حال من الإرهاق لا يخفى.. دع عنك أن يتوجه الزبون إلى المحل ويقف في صف منظم وحين يأتي دوره يفاجأ بأن السلعة المنشودة غير موجودة أو نافدة، وإن كان ثمة بديل فلا بد أن يعرضه البائع على المشتري فقد يروق له أو لا يروق وتبدأ.. المفاوضات من جديد!
هذه العملية على اختلاف خطواتها آن لها أن تشهد تغييرا- مهما كان بسيطا أو محدودا في سنة 1916 على وجه الخصوص.. ففي خريف ذلك العام.. وتحديدا في يوم 21 أكتوبر تقدم رجل إلى مكتب البراءات في ممفيس بولاية تينسي الأميركية طالبا تسجيل فكرة محل شامل لجميع لوازم المعيشة – البقالة وما يدور حولها ليقدم فكرة جوهرية هي:
* أن يخدم الزبون نفسه بنفسه.
* أن تتاح أمامه جميع السلع التي يختار من بينها.
الفكرة بسيطة بكل تأكيد وقد خلعوا عليها يومها معنى الدكان الشامل أو محل ألف صنف.. المحل.. أو المخزن الذي يقصد إلى راحة المستهلك. لكن المسألة في جوهرها أن صاحب الفكرة كان يقصد أمرا أساسيا أعلن عنه قائلا: أنا أطرح فكرة اقتصادية في الأساس مؤداها تقليل عدد العمال..
واختصار وقت الأخذ والرد في عمليات البيع والشراء.. وكل هذا يصبّ في مصلحة أصحاب المحل ومالكيه. كان اسمه كلارنس سوندرز وكان محبا للتجديد شغوفا بأفكار الابتكار. وهكذا غامر بفكرة فتح محل كبير يدخله الزبائن ويتعاملون مباشرة.. مع ما يريدون.. يروحون ويجيئون في أرجاء المكان.. يقلبّون السلع ويفاضلون بينها..
لا أحد يراجعهم أو يراقبهم (ربما كان ثمة مراقبة أو متابعة من بعيد لبعيد فلم تكن كاميرات الرصد المخفية قد دخلت الحلبة بعد).. المهم أن افتتح أول محل كبير من هذا النوع المستجد وقتها في حياة الناس وأطلق عليه اسم «بيغلي ويغلي» وكان اسما غريبا على أسماع الأميركان أنفسهم. وقد سأله صحفي ذات مرة: لماذا هذا الاسم غير المألوف؟ فكانت إجابته ببساطة هي: حتى يواصل الناس – أمثال سيادتك – طرح هذا السؤال!.
وسواء كان الاسم غريبا أو أصبح مألوفا بعد أن انبثقت عنه سلسلة من 600 محل في طول الولايات المتحدة وعرضها.. فالحاصل أن هذه المحلات أصبحت بمثابة الجد الأعلى لمحلات السوبر ماركت التي بات الناس يألفونها ويتعاملون معها في هذه الأيام.
وعندما تلقي نظرة على التصميم المرفق بطلب تسجيل الفكرة.. سواء وصفوها بأنها اكتشاف أو حتى اختراع – تجد أن الرسم التمهيدي المنشور راعى فيه سوندرز أهمية المداخل التي يدلف منها الزبائن إلى قلب المحل (وكان ذلك تجديدا غير مسبوق بالنسبة لمحل البقال التقليدي القديم) .
بالإضافة إلى الممرات أو الأروقة التي يفضي كل منها إلى نوعيات بعينها من السلع المعروضة تحت أنظار المستهلكين.. وتحت الرسم التقريبي يعلق صاحب الفكرة قائلا: من خلال تجاربي ثبت أن بالإمكان إنجاز مبيعات وخدمة زبائن بمقدار ثلاثة بل أربعة أضعاف ما كان معهودا في السابق ولكن بنفس العدد من موظفي المحل.
وعلى مدار سنوات لم يتوان كلارنس سوندرز عن إضفاء لمسات ابتكارية على فكرة السوبر ماركت التي توصل إليها.. وعلى سبيل المثال كان هو أول من أدخل فكرة كتابة السعر على كل سلعة معروضة كي يوفر وقت وجهد التعامل أو التفاوض في هذا الخصوص بين الزبائن والبائعين (وكانت القيمة المضافة في هذا المضمار هي لتنوير الزبون بما هو مقدم عليه من ناحية ما سوف يتحمله من أموال)..
وهو الذي تحوّل بواجهات المحلات المستجدة وأبهائها إلى شكل أجمل وأضواء أكثر إبهارا وديكورات جذابة وبنّاءة لا تقتصر على عنصر التجميل بقدر ما تؤدي إلى جذب اهتمام الزبائن من جميع الأعمار وفي المقدمة المرأة والطفل بطبيعة الحال.
وعندما حذروه من إمكانية سرقة البضائع أو إخفائها بين طيات الثياب وما إلى ذلك من أساليب اللصوصية الخفيفة – تجريد المحل من معروضاته خلال التظاهر بشرائها حسب المصطلح الأمريكاني – كان الرد أن خسائر هذه السرقة يفوقها بكثير وفورات التعامل على أساس حجم المبيعات الكبير فضلا عن الوفورات المتحققة في خفض العمالة المستخدمة من حيث الوقت والعدد والجهد والأجور.
أما السوبر ماركت بمعناه الحقيقي المستخدم حتى الآن فقد شهدت أميركا أول نماذجه في مثل هذه الأيام منذ 70 عاما – أغسطس عام 1937 في حي كوينز السكني، نيويورك وعلى مساحة 560 مترا مربعا وعلى أنقاض جراج قديم للسيارات.. وكان المبنى والشكل مبهرا حيث رفعوا عليه لافتة طريفة تقول: ارتفاع في تلال السلع.. وانخفاض في مستوى أسعارها.
وبعدها انتشرت ظاهرة السوبر ماركت ازدياد عمالة المرأة.. وضيق الوقت المتاح للتسوق وقدرة هذه المؤسسات الكبيرة على استخدام ميديا الإعلام – المرئي بالذات – في مجال الدعاية والتشويق. واتسع الانتشار إلى كندا وسائر أنحاء أوروبا وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية ومنها – كما هو معروف إلى سائر الأقطار والأمصار في الشرق والغرب.
مع هذا كله.. تبقى 3 ملاحظات على هامش اقرب إلى السلب منه إلى الإيجاب:
(1) صاحب الفكرة البراقة الأولى – السيد سوندرز أغرته الأموال المتدفقة من محلاته الرائدة فدخل في مضاربات مع بورصة نيويورك أوصلته إلى.. الإفلاس وخاصة مع سنوات الكساد الكبير في فاتح الثلاثينات..
(2) لأن مراكز التسوق – السوبر ماركت العملاقة احتاجت إلى مساحات شاسعة فقد فضل أصحابها تأسيسها خارج نطاقات المدن حيث الضواحي وملحقاتها.. فكان أن ارتبطت عملية التسوق التي كانت بسيطة في الماضي بوجود سيارة خاصة أو عامة مما زاد من التكاليف التي يتحملها الناس وهم لا يشعرون.
(3) اتسعت فكرة السوبر ماركت فتجاوزت مجرد تلبية الاحتياجات إلى فكرة أن الناس تدخل إلى المكان كي تشتري ما تحتاج وما لا تحتاج، ربما من باب الجاذبية أو من باب الاستسهال أو من باب التورط..يستويان. ثم أن هذه المحلات الضخمة بل والعملاقة جاءت أقرب إلى نوع الحيتان المفتري الكبير الذي قضى على الأسماك الصغيرة من بقالات الحي التي كان الناس من أجيال سبقت يألفونها ويتصادقون مع أصحابها ومع مساعديهم..
بل كان أهل الأرياف والبوادي يعتبرون هذه المحلات مثابة أو منتدى أقرب إلى الصالون حيث يتوافدون ويتسامعون بآخر الأخبار. والمشكلة أن هذا الجانب.. الرومانسي كما قد نسميه.. غربت شمسه وتوارى مع الزمن وتحول إلى مجرد ذكريات.
النيون
النيون عنصر شائع في أجواء الكون المعجز الذي نعيش فيه.. أو بالأدق نأوى إلى كسرة منه اختارها لنا مبدع الكون جل وعلا.. ولكن النيون عنصر نادر الوجود فوق سطح الأرض وعندما يتم استخلاصه تجاربا من الهواء فهو يعطي وهجا من ضوء أقرب إلى السطوع عند استخدامه في أنابيب زجاجية ومصابيح مفرغة الهواء.
نيون كلمة يونانية ومعناها «العنصر الجديد» وقد اكتشفه الكيميائي الاسكتلندي ويليام رامساف وعاونه الكيميائي الإنجليزي موريس ترافيرس وكان الاكتشاف في عام 1898 ويأتي النيون في المرتبة الخامسة في درجة الشيوع في أجواز الكون ومن حيث كتلة الحجم المتوافرة. أما العناصر الأربعة التي تسبقه فهي الهيدروجين.. الهليوم.. والأكسجين.. ثم الكربون.
أما ندرته النسبية كما ألمحنا – فوق سطح الأرض فترجع إلى خفة وزنه وعدم تفاعله مع عناصر أخرى. المهم أن جاءت السنوات الأولى من القرن العشرين ودنيا العلم تعرف أن ثمة عنصرا غازيا اسمه النيون تم اكتشافه قبل نهاية القرن الذي سبق بعامين لا أكثر. في ضوء هذه المعلومة مضى العالم الفرنسي جون كلود يواصل التجارب في مختبره الواقع على ضفاف نهر السين في باريس.
وعمد يوما إلى تمرير تيار كهربائي من خلال عنصر النيون فلاحظ ظهور ضوء أقرب إلى الاحمرار.. وعندما عاود التجريب باستخدام غازات مضافة أخرى حصل على أطياف لونية عديدة منها ضوء أقرب إلى الزرقة الخفيفة وخاصة مع استخدام غاز الهليوم الذي يفضي إلى لون أصفر إلى أبيض.. وبعدها اصطنع كلود ومعاونوه لمبات حديثة هي عبارة عن أنابيب لتمرير هذه المواد الغازية وفي مقدمتها النيون وكانت أهم ميزاتها أنها لا تسخن كثيرا بفعل الحرارة على نحو ما يحدث لسائر المصابيح الكهربية المألوفة.
وفي سنة 1910 فوجئ زوار معرض السيارات في باريس باستخدام مصابيح جديدة مبهرة ومأمونة الإضاءة حملت اسم النيون.. ولم تمض أسابيع إلا وبادر حلاق شاطر في حي مونمارتر – اللاتيني بالعاصمة الفرنسية إلى تزيين واجهة محله بأضواء مستجدة رائعة جذبت كل الأنظار اسمها أضواء .. النيون.. وهكذا تم تدشين الاكتشاف الجديد وسيلة للاستخدام في دنيا الدعاية وعالم الإعلان..
وفي سنة 1923 سافر إلى باريس تاجر سيارات أميركي اسمه إيرل أنطوني.. وحين عودته حمل في حقائبه اثنتين من لمبات هذا الضوء الساحر غير المألوف. ويقال إن تكاليفهما كانت توازي شراء بيت.. نعم بيت سكني صغير في ذلك الزمان. وحين قام بتركيبهما فوق محل السيارات بهرت أضواؤها أرجاء المكان لدرجة أن أوقفت حركة المرور.
محمد الخولي

