مع إطلالة شمس كل يوم جديد، تضيف مدينة دبي الجديد والمتألق إلى الإبداع المعماري الناهض تحت آفاقها، والإضافات في مجال عمارة المساجد ليست استثناء من هذه القاعدة، فها هو اعتماد تصميمات المسجد الكبير في مدينة دبي الملاحية، الذي تبلغ مساحته ثلاثة آلاف متر مربع ويتسع لنحو ألف وخمسمئة مصل، يجيء ليمثل إضافة إلى المساجد التسعة والثلاثين التي أعلن عن الشروع في إنشائها بمساهمة القطاع الخاص، لتشكل جزءاً لا يتجزأ من النهضة العمرانية الحالية للإمارة.

وإلى جوار الجديد في دبي، يتألق أيضاً العريق والبهي على صعيد العمارة، فكل من يمضي في طريق جميرا رقم 1 لا بد له من التوقف طويلاً عند مسجد الجميرا الكبير الذي يتألق اليوم بعد إنجاز مشروع ترميم شامل تكلف القدر نفسه الذي بلغته تكلفة إنشاء المسجد أصلاً.وقد شيد مسجد الجميرا الكبير بأمر من المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عام 1975، وتم افتتاحه عام 1978، وهو يتسع لحوالي 1200 مصل، ويعد من أهم معالم بر دبي وأجملها، حيث أعد له مركز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتواصل الحضاري برنامجاً يتيح للزوار القيام بزيارات منظمة له.

أول ما يلفت النظر في هذا المسجد أنه رائعة من روائع العمارة الإسلامية شيدت على الطراز المعماري الفاطمي الذي استقر طويلاً وعميقاً في الذاكرة الجمعية للمسلمين في الكثير من أرجاء العالم.ذا التصميم الفاتن، الذي يعيد إلى الذاكرة روائع المعماري الإيطالي الكبير ماريو روسي، التي تمتد من مساجد قلب القاهرة إلى مساجد الإسكندرية وصولاً إلى المركز الإسلامي في واشنطن، يتميز بتكامله وتوازنه ورسوخه، حتى ليكاد يكون كتلة نحتية فائقة البهاء تطبع الجميرا بطابعها الفريد.تأمل تكامل هذه الكتلة الرصينة الرشيقة مع موقع المسجد، وانظر براعة الجمع بين التوجيه وإطلالة الجامع على طريق الجميرا.ما عليك إلا أن تمد النظر إلى هاتين المئذنتين الرشيقتين من دون مبالغة في الاستطالة، وكيف تتكاملان مع قباب الجامع التي زينت بزخارف نافرة بديعة تكسو بدنها كله عدا الرقاب.

حاول الاقتراب من المئذنتين لترى كيف ينهض بدن كل منهما مربعاً مكيناً راسخاً ثم كيف يغدو مثمناً ثم يتزنر بشرف تتباهى بالمقرنصات البديعة قبل أن يستحيل كياناً دائرياً تكسوه زخارف تردد أصداء نظيرتها التي تجدها نافرة في القباب، ثم ها هي شرفة أخرى تعلوها بقية المئذنة لنصل أخيراً إلى قمتها البصلية ذات التضليعات البارزة، ويتوج هذا كله الهلال البرونزي التقليدي.

العرائس أو الشرافات تتوج أطراف سقف المسجد مرتفعة مثل أكف تمتد ضارعة نحو السماء، فيما المقرنصات تتوج أعلى المداخل ذات الأعمدة المنحوتة من بهاء.

في داخل المسجد أنت حيال غابة من الأعمدة الرشيقة النحيلة التي ترفع السقف على أنساق من العقود الحدوية الفاتنة تنهل الإضاءة الطبيعية لتتكامل مع الإضاءة الكهربائية من خلال الأبواب وفتحات رقاب القباب ومناور وشبابيك اكتست حلياً وحللاً بديعة من الزخارف الجصية النادرة. زخارف حشوات الخط العربي لا بد أن تستقطب الأنظار بما تحمل من آي الذكر الحكيم.

والمتأمل لداخل المسجد لا بد له من التوقف طويلاً عند هذا الجهد المعماري الفائق المبذول لتحقيق التناغم بين المحراب وبين قياس قامة الإنسان عبر انتقال بارع توظف فيه عناصر الزخرفة بالحشوات والتنويع في توظيف المواد، لنصل أخيراً إلى المحراب الذي يتميز بالتقشف والبعد عن الإفراط في عناصر الزخرفة، في انعكاس مباشر لما يفضله الذوق المعماري في الخليج.

كامل يوسف- تصوير: عماد علاء الدين