«خليل مطران».. شاعر وأديب من أبرز رواد النهضة بالشعر العربي في العصر الحديث، وأبرز رواد التجديد في قوالبه وفنونه، من التخيل والتصوير والتعبير عن خلجات النفس، وعواطف الذات، وتجليات الطبيعة، الأمر الذي فسح آفاقاً رحيبة لما عرف بالتيار الرومانسي، الذي حلّق فيه ــــ من بعده ــــ جيل مبدع من الشعراء، مثل: «الشابي» و«ناجي» و«علي محمود طه» و«الأخطل الصغير».
كذلك كان «مطران» من رواد الصحافة العربية، كما كان صاحب فضل مرموق على النهضة المسرحية، بترجماته، ومساهماته في تأسيس الفرق المسرحية وإدارتها.«فمطران» بذلك كله كان «أديباً بلا حدود»، في مجالات عطائه وإبداعه. لكنه قبل ذلك كله وبعده، كان «أديباً بلا حدود» من حيث المكان ومحطات الحياة، فهو ولد ونشأ في بلد، ثم انتقل إلى بلد آخر لم تطل فيه إقامته، فارتحل إلى بلد ثالث استقر فيه، وطاب فيه مقامه، فنشط وأبدع بسخاء على امتداد أكثر من نصف قرن، حتى أسلم فيه الروح، وأوى إلى أحضان ثراه.في عام 1872، وفي مدينة «بعلبك» اللبنانية، حيث يتعانق جمال الطبيعة وجلال الآثار الحضارية، ولد «خليل مطران»، في أسرة عربية عريقة، تعود جذورها البعيدة إلى فرع من أزد اليمن، نزحوا إلى «الحجاز»، ثم هبطوا عند «نبع غسان»، فسموا «بالغساسنة»، ثم رحلوا إلى «الشام» حيث استقروا واعتنقوا المسيحية. وبذلك كان «خليل مطران» ــــ حتى قبل ترحاله ـــ أديباً بلا حدود، فهو يمني، حجازي، سوري، لبناني.
وفي مدرسة ابتدائية «بزحلة»، تلقى دراسته الأولى. ثم انتقل إلى المدرسة الكاثوليكية في «بيروت»، حيث استقى علوم اللغة العربية من مناهلها الفياضة، وأعلام النهضة باللغة، وعلى رأسهم أبناءأسرة «اليازجي»: «خليل» و«إبراهيم»، فامتلك بذلك ـــ مع الموهبة والحافظة الواعية ـــ تمكنا من أدوات التعبير بلغة ثرية بليغة. وبالحماسة ذاتها أقبل على تعلّم اللغة الفرنسية، وتضلع منها ومن أسرار جمالها وبلاغتها، وعمل معلماً.
في طفولته ـــ وصار ذلك طبعه طول حياته ـــ كان «مطران» سمح النفس والفكر، وديع الطبع، كريم الخلق، صافي السريرة، وفي الوقت نفسه كان أبي النفس، معتزاً بكرامته، مقدساً للحرية، الأمر الذي حداه منذ الصبا إلى صفوف الوطنيين الرافضين لاستبداد الولاة الأتراك ومظالمهم، المجاهدين بمقاومتهم.
ومثل كل الوطنيين راحت السلطة تطارده وتحوك المؤامرات للتخلص منه. وكان الارتحال طوق النجاة بحياته، فاضطر إلى السفر إلى باريس عام 1890، حيث انكب ينهل من كنوز الآداب والفنون الأوروبية بعامة، والفرنسية بخاصة، فتفتحت في نفسه براعم التجديد واتسعت آفاق التعبير في ضوء ما استفاده من الأساليب والمدارس الأدبية، وبخاصة «الرومانسية».
لم تكن نيته الاستقرار في فرنسا، وإنما الهجرة إلى شيلي أو مصر. ورجحت في قلبه كفة مصرفارتحل إليها عام 1892، لتصبح وطنه الثاني الذي استأثر بسبع وخمسين سنة من عمره، وفي حضنه الحاني فاضت روحه، وفي أجوائها ومن إلهامها أبدعت قريحته:
إن مصر التي نفرنا إليها / بحمول من الهموم ثقال
يوم كانت ربوعنا تحت رق / وبنوها الأحرار في الأغلال
أنزلتنا داراً من العز تسلي / كل ناء عن داره غير قال
لم يضق صدرها الرحيب على ما / كلفته بلاجئ أو بجال في رحاب «الكنانة»، وطنه المختار، أخلص «خليل مطران» كل مواهبه وعلمه ومشاعره لها، وحمل همومها، وأخذ مكانه بين المناضلين من أجل حريتها وتقدمها، وتعددت مجالات عطائه في خدمتها.
في مجال الصحافة عمل نحو ثماني سنوات في «المؤيد» و«اللواء» وفي جريدة «الأهرام»، حيث كتب في السياسة والاقتصاد والأدب، فقدم مثلاً بحوثاً في الأدب الفرنسي، والأدب الصيني، كما قدم مثلاً مقالات في نقد سياسة شق المصارف وغيرها من القضايا المحلية. وقد تراوح عمله في الصحافة بين العمل مندوباً يستقي الأخبار من المصالح الحكومية، والعمل رئيساً لتحرير «الأهرام».
وفي عام 1900 أصدر «المجلة المصرية» لحسابه الخاص، وكانت نصف شهرية. وبعد عامين أصدر جريدة يومية أسماها «الجوائب المصرية»، التي صدر عددها الأول في السادس من فبراير عام 1903 يحمل على صفحته الأولى دستور الجريدة والأبواب التي ستعنى بنشرها. وكانت هذه الافتتاحية بحق وثيقة وضعت أسس الصحافة المصرية الحديثة، وابتكرت معظم الأبواب التي ما زالت صحفنا تواظب على نشرها حتى يومنا هذا.
كذلك عمل «خليل مطران» فترة في التجارة والاقتصاد الزراعي، وتولى سكرتارية النقابة الزراعية.على أن أشهر أنشطة حياته العملية كانت في خدمة النهضة المسرحية، فحينما عاد الفنان الرائد جورج أبيض» من فرنسا، اتصل به، فترجم لفرقته بعض مسرحيات «شكسبير» المشهورة، مثل: «عطيل» و«تاجر البندقية»، و«ماكبث»، و«هاملت»، فكانت أولى الترجمات العربية لمسرح «شكسبير».
ثم نشط «مطران» أكثر فساهم في تأسيس «شركة التمثيل العربية»، ثم صار أول مدير «للفرقة القومية»، منذ إنشائها عام 1935 حتى أخريات أيامه «المسرح القومي».أما مجال عطائه وإبداعه الأكبر، فكان الشعر. وفي ذلك يقول، تقديماً للطبعة الثانية من ديوانه الزاخر سنة 1948: «هذا شعري، وفيه كل شعوري. هو شعر الحياة والحقيقة والخيال.
نظمته في مختلف الآونة التي تخليت فيها عن العمل لرزقي. نظمته مصبحاً وممسياً، منفرداً ومتحدثاً مع عشرائي، وقيدت فيه زفراتي وأحلامي، وسجلت بقوافيه أحداث زماني وبيئتي في دقة واستيفاء».وعن ريادته التي عرفها له النقاد، في التجديد، يقول: «أتابع السابقين في الاحتفاظ بأصول اللغة، وعدم التفريط فيها، واستيحاء الفطرة الصحيحة، وأتوسع في مذاهب البيان مجاراة لما اقتضاه العصر.
كما فعل العرب من قبل. أما الأمنية الكبرى التي كانت تجيش بي، فهي أن أدخل كل جديد في شعرنا العربي بحيث لا ينكره، وأن استطيع إقناع الجامدين بأن لغتنا أم اللغات إذا حفظت وخدمت حق خدمتها، ففيها ضروب الكفاية لتجاري كل لغة قديمة وحديثة في التعبير عن الدقائق والجلائل من أغراض الفنون».
بشعره الوطني والقومي كان مطران علماً مرموقاً من أعلام الحركة الوطنية والقومية في عصره، وقد ربطته برموزها وزعمائها علاقات حميمة وثيقة، وفي ديوانه تحتشد صورهم والإشادة بذكرهم، حيث نجد حاضراً بعمق الزعيم «مصطفى كامل»، والزعيم «محمد فريد»، والمجاهدين وعلى رأسهم الأطباء المتطوعون لمعاونتهم في جهادهم ضد الغزاة الطليان في طرابلس، وشهداء الحركة الوطنية، والصحافي الوطني «أمين الرافعي».
وشاعر النيل «حافظ إبراهيم»، وأمير الشعراء «شوقي»، والشهيد «عمر المختار»، وعيد «بنك مصر» و«طلعت حرب» و«مصطفى النحاس»، و«حفني ناصف»، و«أمين الريحاني»، و«سيد درويش»، و«شكيب أرسلان» و«مي زيادة»، و«هدى شعراوي»، والشيخ «مصطفى عبدالرازق».
وباختصار، كان «خليل مطران» ابناً باراً لأمته العربية، ولمصر، ويتجلى ذلك في تحيته لنهضة الشعوب العربية بقوله سنة 1908:
داع إلى العهد الجديد دعاك
فاستأنفي في الخافقين علاك
آمالنا، آلامنا...أرواحنا
أشباحناً، يوم الفداء فداك
بالعلم ننشر ما انطوى من مجدنا
وبه نزكي في الورى ذكراك
وفي عام 1909 أصدرت الحكومة المصرية قانوناً للمطبوعات قيدت به حرية الفكر، وكممت الأقلام، فانبرى الشاعر عاشق الحرية «خليل مطران» يندد بالقانون، بأبياته الخالدة:
شردوا أخيارها بحراً وبراً
واقتلوا أحرارها حراً فحراً
إنما الصالح يبقى صالحاً
آخر الدهر، ويبقى الشر شراً
كسروا الأقلام، هل تكسيرها
يمنع الأيدي أن تنقش صخراً؟
قطعوا الأيدي، هل تقطيعها
يمنع الأقدام أن تركب بحراً؟
حطموا الأقدام، هل تحطيمها
يمنع الأعين أن تنظر شزراً؟
أطفئوا الأعين، هل إطفاؤها
يمنع الأنفاس أن تصعد زفراً؟
أخمدوا الأنفاس، هذا جهدكم
وبه منجاتنا منكم، فشكراً
وعلى أثر نشر هذه الأبيات، هددته السلطة وتوعدته بالنفي من مصر، فثار من أجله الرأي العام، ولم يضعف «مطران» أمام التهديد، بل رد بعزة وإباء:
أنا لا أخاف ولا أرجى / فرسي مؤهبة وسرجي
لا قول غير الحق لي / قول، وهذا النهج نهجي
فإذا نبابي متن بر / فالمطية بطن لج
الوعد والإيعاد ما كانا / لدى طريق فلج
عاش «خليل مطران» ــ الأديب بلا حدود ــ سبعة وسبعين عاماً، تألقت فيها كتاباته وأشعاره وترجماته على المسرح القومي وغيره، وعلى صدور صفحات الجرائد الكبرى في زمانه، وكان مع «شوقي» و«حافظ» الثالوث الذهبي للشعر العربي.
وقد تميز بالتأثير بالتاريخي في التجديد وإرساء أسس التيار الرومانسي. وكما يقول الشاعر «صالح جودت»: «كان شوقي يحفل أول ما يحفل بالموسيقى، وحافظ باللفظ الرنان. أما مطران فبالخيال الجديد، وإن ضاعت معه الموسيقى الأخاذة أو اللفظة الرنانة».
وقد وصل تجديده إلى حد كتابة «قصيدة النثر».ومن المفارقات الحزينة أن هذا الشاعر العظيم الذي شدا للحب والجمال أرق الأشعار، عاش عزباً طول عمره، بعد أن اختطف الموت الحبيبة التي خفق لها قلبه في مطلع شبابه، فظل على وفاء نادر لها، يناجي ذكراها في لوعة.
سررت في العمر مرة / وكنت أنت المرة
كانت حياتي روضاً / وكنت في الروض نضرة
وكان غصناً شبابي / وكنت في الغصن زهرة
وكنت للروح روحاً / وكنت للعين قرة
قد كان هذا، ولكن / مضى وأخلف حسرة
فبت لا شيء إلا / حالين: ذكرى وعبرة
في عام 1947، كانت الشمس المتألقة قد آذنت بغروب، وكانت آلام المرض تنهش جسد الشاعر الوديع، ولكن خففت منها قليلاً نسمة ندية، تمثلت في مهرجانات تقدير وتكريم بلا حدود، توجت رحلته الحافلة في الحياة والفن والأدب.في «دار الأوبرا» كان المهرجان، الذي ضم صفوة أدباء مصر والعروبة، وقد سبقت هذا المهرجان حفلة تكريم له عام 1913 في الجامعة المصرية منح فيها «الوسام المجيدي الثالث».
ثم جاءت حفل المفوضية اللبنانية بمصر ومنح فيها «نيشان الأرز من رتبة ضابط كبير». ثم أعقبتها حفلة طائفة الروم الكاثوليك، ثم حفل رئيس الوزراء السوري الذي قلده فيه «وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى»، ثم حفل النادي السوري في الاسكندرية، وحفل أدباء المهجر في نيويورك كان ذلك كله تعبيراً عن العرفان بفضل شاعر القطرين، بل شاعر الأقطار العربية، والأديب بلا حدود «خليل مطران».وفي مساء الثلاثين من يونية سنة 1949، أسلم الشاعر الكبير روحه الكريمة.
عبد الوهاب قتاية

