أكد د. إسماعيل الدفتار أستاذ علم الحديث بجامعة الأزهر الشريف أن الجدل الذي أثير مؤخراً حول فتوى إرضاع الكبير والتبرك ببول الرسول صلى الله عليه وسلم كان نتاجاً للممارسات الإعلامية الخاطئة التي استغلت فرصة سانحة لنا بشكل أضر كثيراً بالإسلام والمسلمين، وأن هذه الأمور تحتاج إلى الحوار الهادئ خير من هذا الصراخ والعويل الذي لا يجدي.
وأشار إلى أن منكري السنة القرآنيين هم منكرون للقرآن ذاته، حيث إنهم يجهلون أن القرآن هو ذاته الذي أكد ضرورة طاعة الرسول وجعلها من طاعة الله وألزم الجميع بالاقتداء به والاستجابة لأوامره والرضا بما قسم كما أن الله تعالى أنزل القرآن وترك بيانه وتفصيله للرسول الكريم. وشدد الدفتار على أن الاقتتال الذي تشهده الساحة الفلسطينية واللبنانية نتاج لمخططات استعمارية تسعى في مجمعها إلى زرع الفتنة بين العرب، ليكون الخلاف والقتال والضعف، الذي يصب في نهاية الأمر في صالح هذه الدول الاستعمارية.
* كيف تري الجدل واللغط الذي ساد الساحة الإسلامية في الآونة الأخيرة حول تلك الفتاوى المثيرة حول إرضاع الكبير أو التبرك ببول الرسول صلى الله عليه وسلم؟- الإعلام هو المسؤول الأول عن هذا الجو السيء فالأمر لا يحتاج كل هذا ولا داعي أبداً لما حدث ويحدث ففتوى إرضاع الكبير سقطة لصاحبها لأن الحديث الذي استند إليه صدر في حالة ولا يجوز تطبيقها بعد ذلك.وربما جاء قياس صاحب هذه الفتوى في غير محلها ومن ثم كان الأجدى أن يكون الحوار الهادئ حول هذه المسألة للوصول إلى رأي فاصل يعود بالنفع على الأمة، ونفس الأمر ما حدث حول الرأي الذي أولى به المفتي بخصوص التبرك ببول الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد كتبه، ولم يكن الأمر بفتوى بقدر كونه رأي جاء في إطار رده على تساؤل من أحد المسلمين، ولكن الإعلام فخم المسألة، واستغل دعاة العلمانية ومنكري السنة هذا الرأي للمطالبة بعدم الاعتداء بالأحاديث النبوية فكان جدالا عقيما لا جدوى منه.
طائفة ضالة* تزايدت في الفترة الأخيرة محاولات التشكيك في السنة النبوية من جانب القرآنيين كيف نرد عليهم؟- تتعرض السنة النبوية لكثير من محاولات التشكيك من الدرجة الأولى من بعض أصحاب الاتجاهات الخاصة الذين ينتسبون للإسلام من بعض المذاهب، هذا الذي أثاره وقدم عليه العلماء على مر الزمان في كل العصور وما يحدث الآن ما هو إلا ترديد لأقوالهم، وعلى المسلم ألا يدخل في السنة ما ليس منها فكلها شبهات ليس لها قدم ولا ساق، والمفروض أن يتعلم المسلمون كيف حافظ علماء الإسلام على السنة النبوية المطهرة حتى وصلتنا موثقة. وقد أحرزوا منها ما ليس محسوبا ضمنها وميزوا الصحيح من غيره، وضمنوا ذلك في كتب، وبالتالي فعلاج هذه القضايا أن يحرص المسلم على عقيدته وعلى طاعة الكتاب وطاعة السنة، لأن طاعة السنة من طاعة القرآن الكريم، ولابد أيضاً أن يملأ نفسه وقلبه ثقة في أجيال المسلمين الذين سبقونا لأن الذين أوصلوا إلينا القرآن هم أنفسهم الذين أوصلوا إلينا السنة.
* لكن ماذا تقول في منكري السنة؟
- إنهم منكرون للقرآن ذاته، فدعاة حرية الرأي هؤلاء يجهلون أن القرآن هو الذي أكد ضرورة طاعة الرسول وجعلها من طاعة الله وألزمنا بالاقتداء به والاستجابة لأوامره والرضا بما قسم، كما أنه سبحانه أنزل القرآن وترك بيانه وتفصيله للرسول الذي أقام العبادات من صلاة وزكاة وحج ودونه صلى الله عليه وسلم كيف كنا نعرف طريقة الصلاة ومقدار الزكاة ومناسك الحج...
فأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم إيضاح وتطبيق عملي لما جاء في القرآن ولهذا قال العلماء لا يمكن لأي داعية أن يدعو الناس للإسلام دون الحديث عن القرآن والسنة وإلا كان هنالك خلل في المنطق الدعوي.
عدم الفهم
* أتقر أن ما يحدث للمسلمين في هذه البلدان ذات الأقليات المسلمة من اضطهاد وعداء راجع لعدم الفهم الصحيح للإسلام؟
- تصور الغرب أن الإسلام عدوهم بعد الشيوعية وعاملوه على أساس هذا الاعتقاد والإسلام في حقيقته لا يعادي أحدا إلا أهل العدوان فلا يعادي من خالفه في العقيدة أو في السلوك، فهو ينصح ويوجه ولكن لا يعادي في المعاملات أو يعتدي على من يخالفه ومن قال إن الإسلام هو المعتدي فهو عدو للإسلام.
* الدعوة للإسلام تقتضي التدرج فما قولك؟
- هناك أولويات لابد من ترتيبها عند عرض الإسلام والدعوة إليه، وهذا لا شك في أنه مجال تكامل بناء الإسلام والأخلاق ضمانه والشريعة ترجمته العملية فالمحرمات كلها واجبة الترك، ولكن دعوة الناس وكسب ولائهم والتوصل لإقناعهم يقتضيان التدرج وكثير من الناس يقفزون قفزا من كتب الفقه إلى المنابر دون توقف ليعرفوا واقع الناس .
وما هم فيه وأمر التدرج في معاملة النفوس واجب لهدايتهم، فمثلا بعض الدعاة يبالغ في قضية الحدود فلا جدال في تطبيقها ولكن وضعها على رأس القائمة محل نظر، فهو التزام وتوريط لاسم الإسلام وحسب أولئك أن يبدأوا بكبريات المسائل وأساسيات الحكم العادل وتوفير قدر من الحرية والكرامة والعدل بين الناس وإعلان عزمهم على تنفيذ برنامج إصلاحي تتعاقب مراحله في أناة ليتعرفوا على أحكام الإسلام مرحلة بعد مرحلة حتى يقبلوا على دخول الإسلام بلا رهبة.
* هل المسلمون الآن في أزمة؟
- المسلمون يواجهون أزمتين حضاريتين لا يجوز تأجيل النظر في أمرهما، أولهما أزمة داخلية وهي توقفنا عن العمل والإنتاج والعطاء وتثاقل الخطى في بناء النهضة المادية والأخذ بأسبابها، إضافة إلى انقسام الأمة على نفسها وانشطار الشعوب المسلمة ثقافيا بين ضرب ينطلق من مبادئ الإسلام وأصوله وتستولي عليه الرغبة الشديدة في بناء النهضة من جوف الحضارة الإسلامية.
وهناك ضرب آخر من المسلمين ساء ظنه بنفسه وحضارته وتاريخه كله فهو يتجه إلى طرح ذلك كله جانبا ويقول أنا مع الناس ويسعى إلى بناء النهضة على أساس قوانين الحركة والتطور التي أخذ بها الغرب وسار عليها وبني نهضته على أساسها ولم يعد هذا الانشطار فكريا أو مذهبيا كما كان في أزمنة أخرى وإنما صار نوعا من الحرب الأهلية الدائرة، باردة أحيانا وساخنة أحيانا ومشتعلة حارقة أحيانا أخرى .
* وماذا عن الأزمة الأخرى؟
- تتلخص الأزمة الأخرى - وهي أزمة خارجية - في أن العالم من حولنا يتجه إلى بناء نسق حضاري جديد ونظام للعلاقات بين الدول والشعوب يزعمون أنه جديد .. والحملة علينا في هذا الوقت ضارية لا تتوقف.. فاستقر في أذهان العالم أننا معتدون جائرون لا رغبة عندنا في أمن ولا سلام ولا مودة تجمعنا بغيرنا من الشعوب.
ومن ثم صوروا الإسلام على أنه دعوة للجمود وتعبد بظواهر النصوص ومصادرة لحقوق الإنسان وأن انتشاره يعني نشر الشر والفساد ولذلك يرون أنه لا مكان لنا في نظام العالم الجديد ولا دور لحضارتنا يمكن أن تؤديه لمعالجة أزمة الحضارة التي يعيشها الإنسان وهو يواجه هذه الأيام الآثار الجانبية السيئة والمدمرة لتعظيم الثورات العلمية والتقنية التي يأتي بعضها في إثر الآخر .
وحدة الإنسانية
* ما هي رؤيتكم لدورنا في النظام العالمي الجديد الذي أشرتم إليه؟
- هناك معالم جوهرية لمساهمتنا في هذا النظام تتمثل في الآتي، الإلحاح على وحدة الإنسانية جوهرا ومصيرا وضرورة تعاون شعوبها وتعارفهم، قال تعالي: {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا »، والبدء بالإصلاح بالدوائر القريبة وهذا ما ينفرد به الإسلام، فالإسلام مع النفس والزوجة والولد والجيران وعشيرة المؤمنين ثم الدنيا كلها.
الإنسان وحريته
* كيف يمكن للمسلمين أن يتعاملوا مع مقدرات النظام العالمي الجديد؟
- هناك مقولات كثيرة عن الصراع بين الغرب والمسلمين وصراع الحضارات وكلها أمور ومصطلحات موضوعة،فهناك نقاط التقاء أوضحها كثير من المفكرين بيننا وبين الغرب .. فكلاهما حضارة إيمانية وكلاهما يؤمن بالإنسان وحرياته.
وبالتعددية كما أن كلاً من الحضارتين يعاني من تيارات متطرفة وإن كانت جانبيه أو هامشية، فالعالم الإسلامي به تيار لا يعبر عن روح الحضارة الإسلامية، والعالم الغربي به حركات وتيارات وإباحية، وكل ذلك يؤكد ضرورة البدء في الحوار، ولكن على أسس موضوعية وبعيدا عن لغة التعالي أو الشك، وأعتقد أن الحوار بين الغرب والإسلام يمكن أن يشمل قضايا كثيرة تشمل الدين والنظرة إلى الكون والمجتمع والإنسان وعلاقته بالآخر.
* وما الأهداف التي يمكن تحقيقها من خلال هذا الحوار؟
- هناك أهداف كثيرة، فبالحوار والإصرار عليه يمكن تحقيق المعجزات وإذا كنا نهدف إلى مصلحة الإنسان وخيره وأمنه فإن هناك أمورا كثيرة لابد من الاهتمام بها في أي حوار يتم بين الجانبين ومن بين هذه الأمور: البحث عن صيغة للتعاون في مجال تعميق القيم الروحية والخُلقية من أجل إنقاذ الإنسان من آثار الطاغية التي جعلت منه عبدًا للمال والمتعة المادية، والتعاون على حماية المجتمع من التطرف والجريمة المنظمة والإرهاب والمخدرات.
والعمل على تصحيح التصورات الخاطئة عن الإسلام لدي الغرب في كل المجالات، إلا أن ما يحزنني هو أن كل من يتكلمون عن حوار الحضارات وأهميته لا يحركون ساكنا ولا يحاولون الانتقال إلى تطبيق النظريات الكثيرة التي ملأت آذاننا ومللنا منها فكل ذلك بدون تحرك فعال لا فائدة ولا طائل من ورائه، فالمسلمون يحتاجون لمن يتبنى قضيتهم ويوقف الاعتداء عليهم فنحن أمة مسالمة ديننا دين أمن وسلام والعالم كله يري ما يحدث للمسلمين في فلسطين وأفغانستان.
أحداث ساخنة
* هل ترى أن فلسطين هي الأساس لكل ما يحدث الآن من أحداث ساخنة؟
- نعم هذا صحيح.. فالقدس لا تمثل مجرد قطعة من الأرض ولا مجرد مكان مقدس يضم المسجد الأقصى إنما هي تمثل عقيدة وتاريخا بالنسبة للمسلمين ولا يصح التفريط ولو في حبة رمل من أرض بيت المقدس، فالمسجد الأقصى يمثل عقيدة وتاريخًا ومبادئ بالنسبة للمسلمين...
وفي أكثر من مناسبة أحاول أن أذكر الناس بهذه المعاني وبالتالي فإن مسألة العقيدة في التاريخ وهي مسؤولية بالنسبة لكل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها وأن المسؤولية الكبرى يدركها الفلسطينيون أنفسهم، وأعتقد أنهم يحيدون عن الطريق القويم بما يعانونه الآن من انقسام بدأ واضحاً في الشهور الأخيرة، حيث الخلاف بين حماس وفتح إلا أنهم سوف يدركون قريباً خطورة ما يقدمون عليه، ومن ثم سوف يعودون إلى الصواب وتحمل المسؤولية.
* ماذا تعني بالمسؤولية؟
أقصد بها مسؤولية الصمود والإصرار والمثابرة، فالرسول صلى الله عليه وسلم كما علمه ربه يدرك ما يحدث في المستقبل، ولذلك كانت توجيهاته لمواجهة هذه الأحداث، ففي حديث عنه صلى الله عليه وسلم يقول فيه «ليوشكن أن يأتي على الناس زمان لو أن لأحدهم في الأرض مثل شطن الفرس بحيث جري منها بيت المقدس يكون خيرا له من الدنيا وما فيها» وشطن الفرس المقصود به حبل الزمام الذي يقاد به الفرس ومعنى هذا كله أنه لا يصح التفريط في بيت المقدس.
وهذا الواقع يفرض على المسلمين المساعدة والمعاونة ولا أقصد بها المساعدة بمعناها القاصر بأن تنظر أحداثا يحدث فيها قتلى ويستشهد فيها الكثير من الناس ثم تقول المعاونة للأرامل والأيتام ولكن المعونة تكون بالتصدي والصمود وتكون بالفكر وبالرأي والقلم والكلمة وبكل الوسائل التي يمكن أن يتوصل إليها الإنسان لمساعدة إخواننا الفلسطينيين في التصدي للصهاينة المعتدين حتى نخلـــص بيت المقدس منهم فالقتلى منهم شهداء نحتسبهم عند الله وإن وعد الله لآت.



