ولانزال أيها الأخوة الأحباب مع كتيب فضيلة الشيخ عطية محمد سالم لما لهذا الكتيب من عرض شيق عشنا جزءاً منه في الحلقتين الماضيتين ولا نزال نتطلع إلى المزيد فالماء العذب الفرات الطيب يحلو التضلع منه.

ولانزال مع شيخنا الجليل عطية في حديثه عن منهج الإسلام في تشريع الصيام، وقد حدثنا عن المثل العليا في الاطعام للذين لا يحتملون الصيام للمريض بمرض من هذه الأمراض التي تسمى مزمنة أو الشيخ المسن الضعيف وقد بين الشرع أن التطوع بالأكثر من الحد المقرر هو خير، والأفضل من ذلك «وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون» يقول فضيلة الشيخ عطية: وهنا يستوقفنا هذا التذييل الجليل «وإن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون»، فبعد المقارنة بين طرفي التخيير الصيام والإطعام.وبعد الندب للاستزادة من الإطعام بما فيها من نفع لعدة مساكين، نجد التفضيل للصوم مع أن الصوم إمساك ولله، والإطعام يتعدى نفعه لغير صاحبه ومع ذلك يفضل الصوم عليه(وان تصوموا خير لكم) فبتدقيق النظر نجد الإطعام قد يكون مؤقتا وقد يشعر الصائم بأنه مفاوضة فهو يدور في نطاق المادة والحدود الضيقة، أما الصوم فإنه من آثاره التقوى في هذه التقوى التي إذا حصلت للصائم قادته إلى كل خير.

ولم تقف به عند حد الإطعام، بل تتعدى آثارها فتشمل جميع الجوارح من غض البصر وكف الأذى وصدق القول وبذل المال، فيكون الحصول بالصوم على كل هذه المزايا ثم أن الخيار الأفضل للصوم يأتي كبحاً للنفس عن التمادي في الإطعام والابتعاد عن الصيام، ولأخذها بالعزم على الصوم تهيئة لما سيأتي.

والآتي هو أن شهر رمضان وهو شهر نزول القرآن، ولهذه الميزة العظيمة فرض صومه «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» سورة البقرة ـ الآية 185، ففي قوله تعالى: «وان تصوموا خير لكم» لفت النظر إلى ما هو أفضل عند الله وما سيؤول إليه الأمر في قضية التخيير، وإنها ستنتهي بالإلزام بعد أن حقق المثل العليا في فترة التخيير بتسامي النفوس إلى المسابقة إلى التطوع بأزيد مما هو مطلوب منها كما يفيد قوله تعالى : (ان كنتم تعلمون) فما يختاره الله لعباده دون شك هو الأفضل.

والخير كل الخير فيما شرعه لهم وأن خفي عليهم علمه مما يحملنا نحن المسلمين ـ على تقبل شرع الله ولو ثقل على النفس لأن الخالق سبحانه أعلم بما يصلحنا، قال تعالي في مشروعية القتال: «كتب عليكم القتال وهو كره لكم، عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم،والله يعلم وأنتم لا تعلمون» سورة البقرة 216.

ونمضي مع فضيلة الشيخ عطية محمد سالم في كتيبه «رمضانيات من الكتاب والسنة» والذي استغرقنا في معايشته الحلقتين الماضيتين وهذه الحلقة الثالثة والتي نختمها معه في ثلاثة مواضيع نمر عليها في اختصار شديد لا يخل ان شاء الله بموضوعيتها. الأول منه «التكبير شعار العبودية واستوحى شيخنا ذلك من سياق الآية الكريمة 185 التي وردت معنا سابقا.

وهي من ضمن آيات تشريع الصيام التي تبدأ من الآية 183 وتنتهي بالآية 187 من سورة البقرة. وهذه الآية (185) تبدأ بقوله تعالى : »شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن« وتتضمن قوله تعالي : ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون».

يقول الشيخ عطية: الرخصة لاشك تيسير من الله تضمن إكمال عدة الصوم دون إخلال بالمفروض،ثم يأتي الأمر بالتكبير، وهو على نعمةالهداية للقيام بهذا الواجب والحفاظ على هذا التكليف بالعزيمة أو بالرخصة فقد أكملنا العدة اداء أو قضاء، كل بحسب ظروفه ومعطيات حالاته، وهذه فعلا نعمة لأن من كانوا قبلنا فرض عليهم صيام هذا الشهر بعينه.

ولكنهم اضاعوه واخلفوا عدته، حتى ضاع عليهم كما ضاعت عليهم الجمعة. ويستطرد شيخنا فيقول: «وبتتبع تشريعات التكبير نجده في كل عمل جليل ابتداء من الصلاة، افتتاحها بتكبيرة الاحرام، وفي الأذان للصلوات ينطلق صوت المؤذن بالتكبير، ويختتم بالتكبير وبـ «لا اله الا الله» وكذلك إذا نظرنا في آيات سورة الحج من الاية 27 «واذن في الناس بالحج» الى الآية 37 «لن ينال الله لحومها ولادماؤها ولكن يناله التقوى منكم» ويختتم هذا السرد القرآني للمناسك بقوله تعالى : (كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين).

إن التكبير يأتي في كل منعطف من منعطفات حياتنا الإسلامية، الا ترانا نسبح ونحمد ونهلل ونكبر عقد صلواتنا وفي اوراد اذكارنا، وفي اعيادنا كذلك يصحبنا التكبير كأميز شعار يتميز به المسلمون .

وفي القتال وملاقاة الأعداء الا يعلوا التكبير باعتبار ان قتالنا هو في سبيل الله وان ما عند الله أكبر من الحياة بل وفي خطر العين وكفها عنا لا تصيبنا بما نكره، نجد التوجيه المحمدي لنا بالتكبير، لأنه يرد خطر العين قال عليه الصلاة والسلام: «إذا رأى أحدكم ما يسره فليقل ما شاء الله، الله أكبر» وعجبت لهؤلاء الذين يبهرهم شيء حسن ولايقولون بما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يا أخي إذا فتنت بما هو جميل وانجذبت إليه فقل ما شاء الله تبارك الله والله أكبر حتى لايصاب منك بعين حسد، وهذا أمر يجب أن لا نستهين به أو نهمله، ألا تقرأ في القرآن الكريم في سورة الكهف قصة صاحب الجنتين المثمرتين الظالم لنفسه الذي دخل جنته فنظر إليها بعين الإعجاب والغرور واعتقد إنها لن تبيد، كيف ان صاحبه المؤمن قال له «ولولا اذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله» سورة الكهف ـ الآية 39 ـ وفعلا أحيط بثمره فصارت جنته المثمرة الزاهرة أثرا بعد عين.

فيا أيها المأخوذون بالجاه والمال وزينة الحياة الدنيا من تتعالون على خلق الله وتعيشون بعيدين عن الاخرين في ابراجكم العاجية ليت القرآن ورمضان تتعلمان منهما ما يردكم عن هذا الصلف وهذا الغرور.بقي أقول لكم علمت مؤخرا أن فضيلة الشيخ عطية محمد سالم الذي عشنا معه في رمضانياته توفي فأسألوا الله معي له الرحمة على ما قدم من علم ينتفع به.