في مقدمة كتاب «التعليم بين النظرة الإسلامية والنظرة الغربية» يقول المؤلف د. طلعت عفيفي عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر بالقاهرة: لا يخفى على أحد ما يؤديه التعليم من دور فعال في تشكيل عقلية الأمم وصناعتها فهو الحامض، الذي يذيب شخصية الكائن الحي، ثم يكونها.
كما يشاء هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيراً من أي مادة كيميائية، هو الذي يستطيع أن يحول جبلاً شامخاً إلى كومة تراب،. ويضيف: ولئن كان التعليم ذا أهمية في كل زمان ومكان فإن أهميته وتأثيره في هذا العصر أكثر من ذي قبل، لأن التعليم بات يشغل معظم أوقات الإنسان وزهرة عمره، فهو يتلقفه في الحضانة، ورياض الأطفال، ويستمر معه حتى نهاية الدراسة الجامعية في الغالب.وأن المؤسسات التعليمية أصبحت في العصر الحاضر أكثر عمقاً من تأثير البيت والأبوين.
وذلك بحكم الضغوط الاقتصادية التي لا يحلو منها بيت، مما اضطر معه رب الأسرة إلى بذل المزيد من الجهد، لتحصيل لقمة العيش، وكذلك عملت أجهزة الإعلام المختلفة على استراق أوقات الناس، مما شغل الآباء عن أبنائهم، وجعل المؤثر الأكبر في تشكيلهم وتربيتهم هو نوع التعليم الذي يتلقونه.
ويشدد د. عفيفي على أنه انطلاقاً من هذا، فإن دور التعليم من الخطورة بمكان، فهو بالنسبة لأية أمة قضية الوجود والعدم، وقضية الحياة والموت ولم يكن للإسلام أن يهمل هذا الجانب المهم في حياة الإنسان، بل نرى تعاليم الإسلام قد استوعبت هذا الجانب تماماً، ووضعت الأطر السليمة التي استهدفت التعليم من أجل تحقيق الغاية، التي لأجلها خلق الإنسان في هذه الحياة، وهي عبادة الله تبارك وتعالى، موضحاً أنه لأهمية دور التعليم في حياة الإنسان المسلم كان سعيه لتأليف هذا الكتاب.
ويرى د. عفيفي أن الملاحظ مؤخراً بأن التعليم في بلاد المسلمين قد ابتعد عن جوهر الإسلام، وتبنى النظرية الغربية، مما نتج عن زعزعة الصلة بين المسلم ودينه، وغربة الإسلام فيما بين المسلمين.
وهذا بدوره جعل الكثيرين يؤكدون على أزمة الأمة الإسلامية الكبرى في الوقت الحاضر إنما هي أزمة فكرية، وأن العلاج ينبغي أن يبدأ من هذا المنطلق، مشيراً إلى أن كثيراً من المسلمين يظنون خطأ أنه لا علاقة للإسلام بالتعليم ككل، وأنه يكفينا من الإسلام مادة الدين دون طمع فيما هو أكثر من ذلك، وهذا خطأ كبير يقع فيه الكثيرون.
جاء الكتاب في مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، يشتمل الفصل الأول من الكتاب الذي جاء تحت عنوان «الإسلام والعلم» على ثلاثة مباحث وهي: مكانة العلم في الإسلام، ودعوة الإسلام لطلب العلم وتعليمه، وغاية العلم في الإسلام، حيث لا يوجد دين أشاد بالعلم ورفع من قدره.
وأعلى من منزلته مثل الدين الإسلامي، ويتضح لك من خلال النصوص الكثيرة التي وردت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله «صلى الله عليه وسلم» وأقوال السلف الصالح، فيقول تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم». وهذه البداية التي بدأ فيها الوحي تأتي لتكون بمثابة إعلاء من شأن العلم والتعليم، ليس هذا فحسب بل كان القسم بالقلم في صدر ما أقسم الله به من مخلوقاته.
وذلك في سورة تسمى باسمه وفي هذا دلالة، ثانية على عناية الإسلام بالعلم، والسمو بمنزلته، وكذلك يقول تعالى في سورة الرحمن: «الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان» ويلاحظ أن كلمة «علم» وردت مرتين في آيتين في سطر واحد، وذكر بين الآيتين نعمة خلق الإنسان، وذلك يفيد أن من أهم ما كُلف به الإنسان، وميزه به خالق نعمة العلم.
فايز
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن قدسية العلم في الإسلام انبثق عنها الحث على الاهتمام به تعلماً وتعليماً، وأنه قد وردت نصوص كثيرة تحت المسلم على أن يستكثر من العلم ويستزيد منه، فإذا تحصل له شيء من علمه لغيره، وأفاد الآخرين، لقوله تعالى: «وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم، إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون».
وفي هذا التوجيه القرآني الأمر من الله لجماعة المؤمنين بأن تتفرغ طائفة منهم لتلقي العلم والتخصص فيه، ويؤدون مهمة تلقي العلم عنهم، ثم يعودون إليهم فيصبحون مرجعاً لهم يعلمون جاهلهم ويجيبون سائلهم.
وذلك كما في قوله: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون, وإنه في ذلك أيضاً يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران, ويقول أيضاً عن أنس بن مالك: «من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع».
ويوضح في ذات الفصل إن الإسلام لم يدع باباً من أبواب العلم إلا وطرقه، وورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ما يبارك ويشجع على معارف وعلوم ربما ظن البعض أن الإسلام لا علاقة له بها، ففي بيان أهمية معرفة المسلم للقراءة والكتابة ثبت في السيرة النبوية أن النبي «صلى الله عليه وسلم» كان يطلب من الأسير من أسرى بدر إذا لم يجد فدية أن يعلم عدداً من أبناء المسلمين الكتابة في مقابل إطلاق سراحه.
وجاء في القرآن الكريم ما يفيد أن معرفة القراءة والكتابة منحة من الله تعالى يلهمها لعباده يرجع الفضل في معرفتها إلى الله، حيث يقول تبارك وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله، فليكتب....». وأنه عن الشفاء بنت عبد الله ــ رضي الله عنها ــ قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة، فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟!
ويذكر أنه من خلال هذه النصوص يتضح أن الإسلام يشجع أبناءه على معرفة القراءة والكتابة، باعتبارها مفتاحاً يلج به الإنسان باب العلم، ويتوسع في الاغتراف من معينه، وكذلك تؤكد الشريعة الإسلامية على أهمية الإلمام بلغات أخرى غير العربية، حيث وجه النبي الكريم «صلى الله عليه وسلم» صحابياً جليلاً هو زيد من ثابت ليتعلم لغة اليهود الذين كانوا يجاورونه في المدينة.
وهذا ما فعله «صلى الله عليه وسلم» مع عدد كبير من الصحابة، الذين وجههم لتعلم لغات غير العربية، مشدداً على أن الإسلام اعتبر إلمام المسلمين بالعلوم الكونية من فروض الكفاية، لما يترتب عليها من تنامي قوتهم المادية وتلبية حاجاتهم المعيشية، لأن الإسلام دين يوازي بين الروح والمادة.
وسائط تعليمية ويخصص د.طلعت عفيفي الفصل الثاني من الكتاب لتناول الوسائط التعليمية وأهميتها في نظر الإسلام، مؤكداً على مكانة العلم في العملية التعليمية، حيث إنه لابد للعملية التعليمية من مجموعة من الآليات والوسائط تتحقق من خلالها، وتتفاوت في أهميتها ومكانتها في العملية التعليمية، ويأتي في مقدمتها، فهو العمود الفقري للعملية التعليمية، وهو الذي يتضح فيها الروح وتجري في عروقها دم الحياة، فهو النموذج الحي المتحرك والأساسي والمتغلغل في مختلف المراحل التعليمية.
إضافة إلى أن كل الوسائل التعليمية الأخرى بمثابة أدوات طيعة في يد المعلم يمكن أن يجعلها سهلة محببة إلى نفوس الدارسين وانطلاقاً مما يحمله المعلم من مسؤولية في الجانب التعليمي يعلي الإسلام من قيمته ويرفع من شأنه، حيث جعله وريثاً للأنبياء في أداء وظيفتهم، وحمله لرسالتهم، ففي الحديث «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً.. إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر».
ويقول د. عفيفي: لكي يتحول التعليم في حس المدرس من كون حرفة يتكسب منها إلى كونه رسالة ينال عليها المثوبة والأجر من الله تعالى يستوجب ذلك أن يكون المعلم مخلص النية ويقوم بدور القدوة في الفصل الدراسي وأن يكون متعمقاً في المعرفة ونظيفا في مظهره وصورته، كذلك يجب أن يكون المعلم حريصا على التمسك بالتربية الإسلامية في ذاته وأهدافه، وأن يعتني بأحوال تلاميذه.
ويضيف: أن الواسطة التعليمية الثانية بعد المدرس هي المنهج، حيث تستهدف أية عملية تعليمية نوعاً من التربية، ليقوم على ترجمته منهج يقدم للدارسين ويجتهد أصحاب الخبرة وأهل التخصص في أن يحقق هذا المنهج تنمية شاملة للدارسين جسمياً وعقلياً وروحياً واجتماعياً ونفسياً، وفق خطة مستهدفة، وأمل يرجى تحقيقه، فالمنهج هو عصارة وخلاصة ما يريد القائمون على التعليم بناء الأفراد عليه، وبحسب المادة، التي يتلقونها تتأصل فيهم قيم وميول واتجاهات، فالمناهج هي الترجمة الواقعية لتطبيق الأهداف التعليمية، وتحويلها من مرحلة الأماني إلى مرحلة التطبيق والتنفيذ.
وهي المجال الحيوي الذي يمكن أن ترى فيه هذه الأهداف شخصية ملموسة، وهذا يفسر السر في حرص كافة الأنظمة التعليمية على أن تتفق سياساتها التعليمية مع ما يختاره كل نظام منها لنفسه، ووضع المناهج على النحو المراد لإعداد الأجيال عليه، وإعلان الرفض بشدة لأي سياسة تعليمية تتعارض مع الاتجاه العام للدولة أو النظام.
