لأنه يؤمن بأن القدر هو الذي يتدخل في تغيير مسارات حياة البشر، فهو لم يعتقد ولو للحظة واحدة أن الصدفة كان لها دور في تغيير مكان مدرسته ولو لفترة مؤقتة بعد تصدع جزء من مبناها بفعل أمواج البحر التي كانت تقتحم الحاجز الصخري وتضرب جدرانها. كان في المرحلة الابتدائية عندما انتقلت مدرسته من مبناها الذي تصدّع إلى مبنى المدرسة «الأحمدية» القديم في منطقة «الراس» ليتغير طريق الذهاب والعودة ويجد في حياته جديدا.
ولأنه يعتقد أن كل شيء في هذه الحياة مرسوم بدقة فهو لم يعتقد أيضا أن موقع «الأحمدية» القريب من «المكتبة العامة» بديرة كان صدفة بحتة لم يتدخل فيها القدر.
لذلك عندما قادته قدماه للمرة الأولى إلى المكتبة العامة ذات يوم دراسي أثناء الفسحة، شعر بأن طاقة القدر قد انفرجت له لتفتح له أبواب عالم جديد من المعرفة كي ينهل من هذا الكم الكبير من المجلات والكتب التي يراها أمامه. صحيح أن صغر سنه كان يفرض عليه أن يختار مجلات وكتبا تناسبه، لكن هذا لم يقلل من حجم الفرح الذي غمره بعد أول زيارة قام بها مع مجموعة من زملائه للمكتبة.
كان مناخ تلك الفترة مشجعا على القراءة، إذ كانت وسائل التسلية محدودة جدا، لا تكفي لشغل مساحة الفراغ التي يجدها الطالب أمامه بعد الانتهاء من الدراسة أو خلال الإجازة الصيفية. لذلك وجد نفسه منغمسا في جو القراءة حيث أتاحت له المكتبة العامة استعارة بعض الكتب التي كان من الصعب عليه أن يتمكن من اقتنائها إما لارتفاع ثمنها أو عدم توفرها أو قلة عدد المكتبات في تلك المرحلة.
لم تكن المكتبة العامة وقتها مجرد مكتبة، وإنما كانت مركز إشعاع ثقافي، تقام فيها المحاضرات التي كان يحرص على حضورها عندما أصبح في سن تسمح له بحضور مثل هذه الأنشطة المسائية والتغيب عن البيت إلى وقت كان يُعتبَر متأخرا في تلك الأيام، وإن لم يكن يتجاوز موعد أذان العشاء عادة.
شريط طويل من الذكريات استعاده بعد عقود من الزمن باعدت بينه وبين أول مكتبة عامة في حياته عندما طُلب منه أن يكون عضوا في لجنة تحكيم للقصة القصيرة والخطابة ينظمها قسم المكتبات العامة ببلدية دبي لطلبة وطالبات مدارس دبي الصغار.
لم يعتقد أن الصدفة كان لها دور هذه المرة أيضا عندما علم أن اللجنة سوف تجري مقابلات الطلبة في المكتبة التي بدأت حكايته معها قبل عقود من الزمن، ليعود إليها بعد كل هذه السنوات محكِّماً بين أطفال كان ذات يوم في مثل سنهم عندما حملته قدماه للمرة الأولى إليها، يحمل التطلعات نفسها التي يحملونها اليوم، ويحلم بتحقيق الطموحات نفسها التي يحلمون بتحقيقها غدا.
عاد إليها ليراهم يتدفقون حماسا وبراءة، يشرق الأمل في عيونهم، يطرقون أبواب المستقبل بقوة ليعطوا الحياة طعما مختلفا ومحببا إلى النفس، فتمنى لو استطاع أن يعيد عجلة الزمن إلى الوراء ليعود واحدا منهم.
يومها لم ينشغل بتأمل أحداث اليوم القريب قدر ما انشغل باستعادة ذكريات ذلك اليوم البعيد الذي ما زال ماثلا أمامه، يعيد للروح الأمل الذي لم يتوقف عن التدفق رغم جفاف الواقع الذي يحاول هؤلاء الصغار اليوم تغييره بإعادة تجميع تلك الصورة الجميلة، ليعود إليها البريق الذي تستحقه في الذاكرة من جديد، وتعود تحتل المكانة التي لم تستطع أن تنتزعها منها آلاف الصور التي تعاقبت على مدى العمر الذي يتجدد معها ويستمد بريقه من توهجها.
