يقول تعالى: و(َلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) النحل92. في مكة أم القرى، وبين جدران أحد بيوتها التي كانت لبني مخزوم كانت تعيش امرأة نشأت في ذلك البيت طفلة، ومضت بها الأيام لتصبح فتاة تترقب ذلك اليوم الذي يحمل لها السعادة وتزف إلى شريكها في الحياة التي تتمناه وفقا لشروطها..

كان اسم هذه الفتاة «ريطة» وكانت ريطة هذه ليست ذات حظ وافر من الجمال.. وكانت في بيت شرك لم تشرق إليه شمس التوحيد وعبادة الله الأحد.. وإلى جانب ذلك كانت أسرة ريطة التي تتكون من الأم والأب أسرة ذات أفق محدود لم تسع لزواج ابنتها رغم الثروة الواسعة التي كانت لدى الأب فلم يفكر الأب في مساندة ابنته والبحث لها عن الفتى المناسب، كما لم تسع الأم إلى تجميل ابنتها أو اصطحابها معها لتراها صديقتها فربما إن يجدوا في شكلها الجمال وجدوا في خلقها ما يرضوا عنه...!!لكن الأم والأب لم يجدا إلا وسيلة واحدة لتزويج ابنتهما وهي ذبح القرابين إلى الآلهة وطلب العفو منها على ابنتهما المسكينة التي لم يدريا سببا لغضب الآلهة عنها لأنها لم تتزوج إلى الآن..؟! كما أنهم ذهبوا إلى العرافات يسألونهن عن زواج ابنتهم فتأخذ العرافات النقود الذهبية وتبيع الوهم للوالدين وابنتهما.

أما الفتاة نفسها فلم تكن تقل شيئا في ضيق أفقها عن والديها بل تركت لليأس فرصة لأن ينهش قلبها وشخصها وظلت أيام عمرها باكية حزينة، وما لبث الأب أن مات بعد مرض قصير وترك ثروة ضخمة ورغم ذلك فإن سمعة الابنة الدميمة الباكية كانت تسق الخاطبين لها فلم يتقدم أحد لخطبتها وتقدم العمر بريطة ومازالت على حالها.

وفي أحد الليالي جاءت خالة ريطة ومعها شاب وسيم في العشرين من عمره جاءت لتخبر أختها وابنتها أن ابنها ذلك الشاب الوسيم جاء لخطبة ريطة التي تبلغ ضعف عمره تقريبا، وعلمت الأم أن أختها وابن أختها طامعان في ثروة ابنتهما فخافت أن تصارح ابنتها وخافت على إضاعة فرصة ابنتها في الزواج وظلت تفكر في الأمر حتى داهمها مرض شديد فماتت وتركت ابنتها وحيدة أمام مطامع الخالة وابنها.

تزوج ابن الخالة ابنة خالته وما لبث أن ظهرت نواياه فأخذ مبلغا من المال ليبدأ به تجارته وما لبث أن اختفى للأبد مع ما أخذه من الأموال.

وظلت ريطة تبكي الليالي الطوال على ما حل بها وتنعي حظها ولم تفكر في عمل شيء مفيد بهذه الثروة التي مازال يبقى منها الكثير، بعد أن سرق جزءاً منها الزوج وابن الخالة.

وفي إحدى لحظات ريطة اليائسة أمسكت بمعزل للصوف كانت تغزل به والدتها وظلت تغزل وتغزل حتى قربت على صنع ثوب جميل.. ثم فجأة داهمها اليأس وتملك منه الإحباط فتذكرت أنه لا زوج لها يرتدي ما تغزله ولا ولد لها يلبس ما تفعله وهي ليست في حاجة إلى المال كي تبيع ما تغزله فظلت تنقض كل ماغزلت..!!

وفي اليوم التالي أعجبت الفتاة اليائسة تلك الفكرة وكانت تحضر الفتيات ليساعدنها في غزل الصوف وعمل الأشكال وهي تغزل معهم من الصباح وحتى قبل الغروب بقليل ثم ما تلبث أن تكض ما غزلت وتأمر الفتيات بأن يفسدوا كل ما غزلت..!!وقد وقفت آيات القرآن الكريم مع الجزء الأخير من قصة ريطة يحدد فيها الحق سبحانه وتعالى عبادة من أن يبطلوا أعمالهم ويبددوا طاقة جهدهم مما لا فائدة ولا طائل من ورائه... فيقول تعالى:

(ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) وقد وردت هذه القصة في نسق الذين ينقضون عهودهم بعد إبرامها.وقد حذرنا القرآن الكريم من تمكن اليأس من أنفسنا وأرشدت إلى أن هناك منهجا سماويا قد حدده الله لنا كي لا تتمكن من أنفسنا المشكلات وتقضي علينا فيقول تعالى:(فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) طه 123 وهذا تأكيد على أن الإنسان في الأرض له منهج سماوي لابد أن يعلمه حتى ينقذه من الضلال والشقاء ومن ثم الهلاك.

فالإنسان إذا ظل على ذكر الله صغرت أمامه كل مشاكل الحياة؟ لأن الذي يواجه الحياة وهمومها بقدرة خالق الحياة فإنه قادر على تخطي كل صعاب الحياة بلاشك والإنسان المؤمن لابد وان يتحلى بسعة الصدر وبسعة الأفق وتبسيط المشكلات أمامه والتحلي بالإيمان ومنهج الاستعانة بالصبر والصلاة حتى نصل إلى بر الأمان والسعادة بإذن الله.

جيهان محمود