تعزيزا للرؤية السابق طرحها بشأن الربط بين الاستشراق والاستعمار يصل البعض في تقييمه السلبي للاستشراق الى حد الربط بينه وبين التبشير، ومما يذكره أصحاب هذه الرؤية وعلى رأسهم إبراهيم خليل أحمد وقد كان قسيسا وعاملا في مضمار التبشير ثم هداه الله الى الإسلام أن التبشير والاستشراق دعامتان من دعائم الاستعمار وعملاء التبشير والاستشراق عملاء للاستعمار وخدام لسياسته وإن ظهروا بوجوه مقاومة الاستعمار وتحرير البلاد منه، وأن التبشير والاستشراق والاستعمار تقاسموا جوانب الأعمال المقررة في الخطة العامة لغزو الإسلام والمسلمين وديار الإسلام.

ووفق هذه الرؤية حمل الاستشراق أعباء الأعمال في ميادين المعرفة الأكاديمية وأدعى لبحثه حسب هذه الرؤية الطابع العلمي العالي واستخدم الكتابة والتأليف وإلقاء المحاضرات والمناقشات في المؤتمرات العلمية العامة وكراسي التدريس في الجامعات فألف المستشرقون المؤلفات الكثيرة وألقوا المحاضرات والدروس الكثيرة وجمعوا الأموال وأنشأوا الجمعيات الاستشراقية وعقدوا المؤتمرات وأصدروا الصحف والمجلات وسلكوا مسالك أخرى كثيرة. فيما حمل التبشير أعباء الدعوة الجماهيرية في حدود مظاهر العقلية العامة التي تتناسب مع مفاهيم الجماهير واستخدام وسائل التعليم المدرسي في دور الحضانة ورياض الأطفال.

وقد نجح الاستشراق والتبشير والاستعمار في كثير من البلاد الإسلامية في تربية أجيال متعاقبة لا تفقه الإسلام ولا تحفظ من القرآن إلا آيات معدودات ولذا كان من اليسير جدا غزوهم غزوا فكريا واسعا. وقد سلك المبشرون والمستشرقون كل مسلك ظنوه محققا لأهدافهم واستطاعوا أن يتسللوا الى المجمع اللغوي بمصر والمجمع العلمي بدمشق والمجمع العلمي في بغداد كما تدخلوا بتأييد من الاستعمار في مجال التربية والتعليم محاولين غرس مبادئ التربية الغربية في نفوس المسلمين ونجحوا في هذا الى حد كبير.

وعلى ذلك فإنه اذا كان الاستشراق والتبشير قد قام على أكتاف الرهبان والآباء في أول الأمر ثم اتصل من بعد ذلك بالمستعمرين فإنه لا يزال حتى اليوم يعتمد على أولئك وإن تظاهروا برسالتهم الدينية والخيرية فإنهم يقضون دائما يحدقون بعيونهم ويصيخون بآذانهم الى مختلف الأوساط لمعرفة كل الاتجاهات حتى يستطيعوا أن يذللوا أي عقبة تعترض سبيل نشاطهم وعملهم.

وحسبما يذهب أصحاب هذا الاتجاه ومنهم الدكتور مصطفى السباعي فإن المستشرقين في جمهورهم لا يخلو أحدهم من أن يكون قسيسا أو استعماريا أو يهوديا وقد يشذ عن ذلك أفراد، وأن الاستشراق بصورة عامة ينبعث من الكنيسة وفي الدول الاستعمارية يسير مع الكنيسة ووزارة الخارجية جنبا الى جنب ويلقى منهما كل تأييد.

ويشير البعض هنا الى أن رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة اكسفورد كان يهوديا يتكلم العربية ببطء وصعوبة وكان أيضاً يعمل في دائرة الاستخبارات البريطانية في ليبيا خلال الحرب العالمية الثانية وهناك تعلم العربية العامية ثم عاد الى بلاده انجلترا ليرأس هذا القسم، وهو ما يعزز في رأيهم التهمة التي توجه للكثير من المستشرقين بأنهم إنما يعملون أداة في أيدي الدول التي يمثلونها.

bassam@albayan.ae