يعتبر حصن الجاهلي في مدينة العين, العين الساهرة على أمن المدينة ومخزن ذكرياتها منذ العام 1891 وشكل ذاكرة للمكان توالت عليه سنوات طويلة، وبات رمزاً للمدينة حيث اختاره نادي العين في العام 1992شعاراً رسمياً له بعد مسابقة شارك فيها مئات من الفنانين من داخل الدولة وخارجها.
وعلى مر السنين وعلى الرغم من الأهمية التاريخية والإنشائية للحصن إلا إنه ظل مجرد مبنى أثري مغلق الأبواب لا يعرفه إلا القدماء والشواب من أبناء المدينة حيث كانت تحيط به أسوار الحديقة العامة لمدينة العين قبل تغيير معالمها من جديد وتكشف عن السر الدفين لحصن قصر الجاهلي. في أمسية ثقافية رياضية في أروقة نادي العين الذي بات هو الآخر من رموز المدينة بلونه البنفسجي المميز وفيما كان أعضاء مجلس الإدارة برئاسة معالي الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان يناقشون ضرورة إحداث نقلة نوعية في حياة النادي الثقافية والرياضية وبما ينسجم ودوره ومكانته بين جيل الشباب وارتباطه بتاريخ المدينة من حيث الشكل والمضمون .
ومن منطلق إن شعارات الدول والتعويذات هي تعبير عن أهم ما يميزها وكثير منها بات يعرف من خلال شعاراتها وألوانها وأعلامها، فقد طرأت على بال مجلس الإدارة فكرة تعديل شعار النادي وجعله يتناسب مع تاريخ المدينة التي ينتسب إليها ويمثلها بعيداً عن شعارات الأندية التقليدية. ومن هنا انطلقت الفكرة للبحث عن شعار وتصميم مميز للنادي، وأذكر أنه شكلت لجنة خاصة لمتابعة الموضوع برئاسة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الإدارة صاحب الفكرة حيث عرضت أفكار عديدة وأشكال ومسميات مختلفة وتم طرح الفكرة عبر إعلان خاص للمشاركة في مسابقة لاختيار تصميم للشعار.
وأكد سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية وخلال توليه حينذاك مهام نائب رئيس مجلس إدارة نادي العين في العام 1992 وقبل أن يصبح وزيراً للإعلام حيث كان طالباً في جامعة الإمارة. وفي محاولة جريئة منه لربط المدينة برموزها التاريخية وبعد اطلاعه على مئات التصاميم التي شارك فيها فنانون من داخل الدولة وخارجها اختار من بين مئات التصاميم تصميما خاصا.
حيث قدحت في ذهن أحد مدرسي الرسم في منطقة العين التعليمية فكرة خاصة انطلقت من قلعة الجاهلي وما ترمز إليه من تاريخ للمدينة وقام بتصوير القلعة من عدة جهات وحولها إلى خطوط تجريدية حيث جعل الهيكل العام لقلعة الجاهلي هي المجسم العام للشعار وحول أسوار الحصن وطبقاته إلى خطوط نصف دائرية متقاطعة على شكل مضمار ألعاب القوى كرمز رياضي.
وسام على الصدور
وبالفعل تكتم حينها سمو الشيخ عبد الله على الموضوع ولم يتحدث عنه إلا بعد عرضه على المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كونه الرجل المؤسس والمعاصر لبناء الدولة وتربطه بقلعة الجاهلي قصص وحكايات أيام توليه مهام ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية من خلال مناقشة الفكرة مع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان - ولي العهد حينذاك - وبالفعل أعجب سموه بالفكرة ورحب بها وقدم لها الدعم الكامل وتقرر جعل قلعة الجاهلي شعاراً مميزاً لمدينة العين وناديها العريق.
حيث تم تصميم الشعار على شكل قلعة حقيقية وطبع على الملابس الرياضية للاعبي النادي وبات نادي العين من يومها على موعد متجدد مع التاريخ والأصالة والمعاصرة وباتت قلعة الجاهلي تتربع على المكاتب والصالات ووساما على صدور اللاعبين والمشجعين وتحتل المقدمة في الهدايا التذكارية في المناسبات الرياضية.
حكاية المكان
ونعود لقصة المكان وحكايته مع الزمان من حيث الدلالات والمعاني التاريخية والأثرية، حيث يعتبر حصن الجاهلي أحد الرموز الشهيرة في المدينة وأبرز معالمها التاريخية وهو أحد أكبر الحصون في الدولة إذ يعود تاريخه للعام 1897 حيث عرفت المنطقة استقرارا سياسياً الأمر الذي وفر للشيخ زايد الأول - رحمه الله - الفرصة لاستكمال برنامجه في بناء الحصن الذي انتهى في العام1919.
ويذكر الرواة أن مهمة إكمال بناء الحصن بعد وفاة الشيخ زايد الأول أوكلت إلى ابنه الكبير الشيخ خليفة حيث أقام في الحصن مع أسرته وقام بزراعة المنطقة من حوله بأشجار النخيل والتي باتت تعرف اليوم باسم الواحة وبقي إلى العام 1948 حينما قدمت القوات البريطانية إلى مدينة العين واتخذ قائدها المبنى كمركز للقيادة وأضاف عليه بعض التعديلات التي تلبي متطلبات الحياة فيه لاسيما المطبخ وتغطية أرضيته بالحصر والحصى ومواصفات هندسية.
وبات الحصن يتكون من مبنيين المبنى الرئيس الأول وهو على شكل مربع بينما الثاني متعدد المراكز منفصل ومكون من أربعة طوابق بمواصفات تعود لعدة قرون مضت ويعتبر الهيكل متعدد الطبقات عائقاً حصيناً أمام أي غزاة يحاولون شق طريقهم من خلال المداخل الضيقة المؤدية للطوابق العليا.أما الفناء الداخلي للحصن المربع فلا يمكن الوصول إليه من قبل أي من المهاجمين إلا بعد أن يكون قد اجتازوا البوابة الرئيسية التي تحمل شعرا يقول:
لاح نجم السعد في باب العلا
مجد باق على رغم المعاند
شاد بيت الملك سلطان بن زايد
أشرق التاريخ باليوم السعيد.
كما يوجد ملحق بالحصن خضع للتعديلات خلال فترات الترميم ويذكر إن قائد القوات البريطانية عندما قدم للمكان لاحظ القيمة الاستراتيجية للموقع وعلى الرغم من أنه سجل تاريخياً أن الأرض كانت مغطاة بالرمل والشبابيك كانت بدون مناخل او زجاج والغرف كانت فارغة وغير مؤثثة وكان أحد الأسقف في خطر والجدران مهددة بالانهيار.اما الحصن الدائري للقلعة فقد تم تشييد برج مركزي بجانبه وتستعمل الغرف الجانبية لتخزين المواد الغذائية والأسلحة.
وتشير الدراسات الإنشائية إلى ان الحصن كمثله من الحصون الأخرى قد بني من الهيكل من الطابوق الطيني ويحيط به حائط بارتفاع 6 -5أمتار وطول122 متراً وعرض88 متراً وللحصن المربع تقريباً برج اسطواني الشكل يرتفع قرابة 9 أمتار في ثلاث زوايا وفي الزاوية الرابعة يوجد مجلس الشيخ حيث كان يستقبل الضيوف ومنه كان يدير شؤون الحكم ويدير الأعمال الرسمية.
وبصورة منفصلة عن الشرفات في أعلى حيطانه ونوافذه الضيقة فإن الحصن يتسبب في مشاكل لوجستية كبيرة لكل شخص يحاول غزو الحصن فإذا ما نجح في اجتياز البوابة الرئيسية وقطع المسافة الشاسعة للفناء الخارجي فهذا يعني الركض تحت وابل من السهام والرصاص من المدافعين عن الحصن.اما القليل الذي يكتب له الحياة فيتوجب عليهم عندها إما أن يقرروا غزو البرج الأوسط أو اقتحام الفتحة الضيقة المؤدية إلى الحصن المربع والفناء الداخلي.
تراث وحضارة
وحرصاً من إمارة أبوظبي على الحفاظ على تلك المواقع التاريخية التي تجسد تاريخ الدولة وتطورها فقد تعهدت دائرة الآثار والسياحة والتي تعتبر جزءاً من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث بالعمل على ترميم الحصن من مختلف جوانبه وكشف إطلالته ومداخله وإضافة بعض التعديلات على المداخل والطرق المؤدية إليه كونه أصبح يشغل مكاناً استراتيجياً وسط مدينة العين الحديثة وقد دخل الحصن وبجهود هيئة أبو ظبي للسياحة إلى لائحة المواقع الأثرية الدولية حيث يقف شاهداً على أصالة وحضارة المكان.
كما عملت الهيئة على الاستفادة من أهمية الموقع تاريخياً وثقافياً حيث اختارته لإقامة الحفل الموسيقي العالمي للموسيقى الكلاسيكية حيث أتيحت الفرصة أمام عدد كبير من زوار المدينة والمهتمين بالموسيقى والثقافة من التعرف على معالم الحصن الداخلية والخارجية حيث امتزج التاريخ مع الموسيقى في لوحة فنية وثقافية حاكت مابين أصالة التاريخ وقصة المكان على أنغام تشايكوفسكي وباخ وبتهوفن وغيرهم من الرواد الأوائل الذين أدخلوا الموسيقى في تاريخ وحضارة الشعوب، وليصبح حصن المويجعي شاهد عيان على قصة حضارة الإنسان وارتباطه بالمكان.
داوود محمد



