يردد الكثيرون من الدعاة والخطباء والواعظين والباحثين المشتغلين بالمسألة الدينية عبارة «أن الفقهاء والعلماء من السلف الصالح اختلفوا في الفروع فقط، أما الأصول فقد اتفقوا عليها ولم يحدث فيها اختلاف»، وهم يقصدون بالفروع الأمور الجزئية الخاصة بالعبادات والمعاملات، التي لا تمس صلب العقيدة ومبادئها الأساسية، ويقصدون بالأصول كل ما يخص العقيدة وثوابت الدين في القرآن الكريم والسنة ومسائل العقيدة وأسس الإيمان وقواعد الإسلام.

يقول د. منيع عبد الحليم عميد كلية أصول الدين سابقا: إن هذه العبارة تعد بالنسبة لي من الأخطاء الشائعة المشهورة في الفكر الديني ومسيرة الدعوة الإسلامية، ففي واقع الأمر فإن العلماء والفقهاء بحثوا في كل شيء ودرسوا كل شيء، واختلفوا في الأصول، كما اختلفوا في الفروع.وفى أحيان كثيرة يكون الاختلاف في الأصول أشد وأصعب وأوسع من الاختلاف في الفروع، وفي أحيان كثيرة أيضاً يكون الاختلاف في الفروع سببا ونتيجة للاختلاف في الأصول، ولنضرب مثلاً على ذلك ولن نذهب بعيداً سيكون المثال حول أول عبارة ويبدأ بها المصحف الشريف وهى «بسم الله الرحمن الرحيم» لقد اختلف الفقهاء في حكم قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم» في الصلاة؟

فذهب الإمام الشافعي إلى أن قراءة البسملة في الصلاة فرض ومن لم يقرأ البسملة فصلاته باطلة، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن قراءة البسملة في الصلاة سنة، وذهب الإمام مالك: إلى أن البسملة لا تقرأ في الصلاة بل حاكي لي بعض اتباع مذهب مالك أن قراءة البسملة في الصلاة مكروهة في المذهب.

ويرى أن هذا الاختلاف هو اختلاف في الفروع وتنوع وتعدد الآراء لها دلالات عميقة ذات مغزى، خاصة وانها مرتبطة بأول ما يجده المسلم مكتوبا في المصحف الشريف، ولكن هذا الاختلاف في الفروع ليس منقطع الصلة عن أصول الدين وثوابت العقيدة لأن اختلاف الفقهاء في حكم قراءة البسملة في الصلاة مرتب على اختلاف العلماء في مسألة أصولية وهي: هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من سورة الفاتحة ومن باقي أو سائر سور القرآن الكريم أم لا؟!

اختلافات كثيرة

ويشير د. عبدالمقصود باشا الأستاذ بجامعة الأزهر إلى أن علماء الدين اجتمعوا على أمرين، أولهما: أن البسملة جزء من آية مذكورة في سورة النمل وهى قول الله عز وجل: «إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم»، وثانيهما: أنها ليست آية من سورة التوبة ثم اختلفوا في كونها البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة عدا سورة التوبة.

ويوضح أن: الشافعي ذهب إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة وذهب أبوحنيفة إلى أنها آية مستقلة ومنفصلة من القرآن الكريم أنزلت وجيء بها للفصل بين السور، وفي حين ذهب مالك إلى أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أي سورة وإنما ذكرت على سبيل التبرك باسم الله عز وجل، ولكل واحد من هؤلاء الأئمة الأعلام أدلته الطويلة.

والتي يصعب ذكرها أو حتى اختصارها، وكذلك لو ذهبنا إلى علماء القراءات فسنجد اختلافات كثيرة بينهم حول البسملة، ولا يستطيع أحد أن يزعم أن الاختلاف في آية من آيات القرآن الكريم هل هي منه أم لا؟ هو اختلاف في الفروع بل هو اختلاف في أصل الأصول وهو القرآن الكريم الذي هو الأصل الأول للعقيدة الإسلامية.

ويذكر د. باشا أنه طالع على عجل كتاب الإجماع لابن المنذر أثناء فترة الدراسة وترسب في ذاكرته أن المسائل، التي أجمع عليها الفقهاء لا تتجاوز خمسا وستين مسألة من ملاحظة أن ذلك من وجهة نظر ابن المنذر، يعني من الممكن أن تنزل المسائل المجمع عليها إلى أقل من ذلك بكثير، وبوجه عام فما أكثر المسائل الأصولية التي اختلف فيها العلماء، بل إن الاختلاف في الفروع يمكن ضبط ورده إلى مذاهب، فنقول المذهب الحنفي والمذهب الشافعي والحنبلي وهكذا.

ويضيف: أما في الأصول فإن الاختلاف لا يكون بين مذاهب فقط، بل يتجاوز ذلك إلى داخل كل مذهب فنجد أن لكل واحد من علماء المذهب رأياً وأحياناً يكون للعالم الواحد رأيان مرويان عنه، ومن الأمور الجميلة واللافته للانتباه حين يسرد المؤلفون آراء العلماء في مسألة من المسائل، ثم يذكرون أن العالم الفلاني ذهب إلى التوقف في المسألة يعني لم يستطع الجزم برأي قاطع فتوقف ولم يفت دون دليل، وهذا منتهى الأمانة العلمية إذ ما أسهل أن يقول رأي من الآراء الكثيرة المطروحة.

حسن الظن

ويرى د. مبروك عطية الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية انه من الضروري أن نحسن الظن في أولئك الذين يرددون عبارة: أن العلماء اختلفوا في الفروع فقط ولم يختلفوا في الأصول وذلك لأنهم يريدون أن يبينوا للناس أن هذه الأمة العربية والإسلامية أمة واحد متحدة، وأن أسباب الخلاف والاختلاف قليلة ومحصورة في أمور فرعية وجزئية، ونحن نتفق معهم في هذا المقصد.

ولكن إذا تحولت هذه العبارة الفقهاء اختلفوا في الفروع ولم يختلفوا في الأصول إلى سيف مسلط على رقاب الباحثين لمنعهم من البحث العلمي، ولقتل ملكة التفكير عندهم والتي هي هبة من الله عز وجل ـ فحيئنذ يجب أن نقف في وجه هؤلاء. ويخلص إلى ان الفقهاء والعلماء من السلف الصالح والرعيل الأول الذين اختلفوا في كل شيء في الأصول وفي الفروع على حد سواء.