إذا كان مسجد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الجامع الكبير في أبوظبي هو أكبر مساجد الإمارات وأحدثها وأكثرها استقطاباً لاهتمام الدنيا بأسرها، فإن مسجد البدية الأثرى بإمارة الفجيرة هو أقدم مساجد الإمارات وأكثرها استقطاباً لاهتمام الباحثين والدارسين.

ويسود الإجماع في صفوف المعنيين بمساجد الإمارات على أن أي تناول لهذه المساجد لا يمكن ان يكون مكتملاً، إلا إذا شمل إطلالة حقيقية على مسجد البدية.يرى الباحث الإماراتي المعروف ناصر العبودي ان من يقف بين يدي هذا المسجد الصغير حجماً، العظيم قيمة وقدراً لابد له من أن يرتحل بذهنه إلى عدة قرون، قد تصل إلى الخمسة، هي العمر التقديري لهذا المسجد الأثري، الذي يرى فيه امتداداً للتقاليد المعمارية التركية في شكل نادر، ربما لا مثيل له في المنطقة بكاملها.

وللعبودي كتاب قيم عن مسجد البدية صادر عن جامعة الإمارات، فمن شاء فليعد إليه، ليلم بجوانب شديدة الثراء في محاولة نادرة للاقتراب من هذا المسجد كأثر قديم. وفي غضون ذلك، فلنعد نحن إلى الذاكرة والبصر والبصيرة، حيث تعيد لي الذاكرة الحقيقة القائلة ان أول مرة وقعت عيناي فيها على مسجد البدية كانت منذ أكثر من ربع قرن من الزمان.على امتداد هذه السنوات تغير الكثير في موقع المسجد، فعندما رأيته، في تلك الأيام الخوالي، لم يكن هناك وجود للسور الخشبي الذي يحيط بالموقع الآن، بل انه لم يكن هناك وجود للسور الحجري الموجود حالياً.لم تكن يد العناية والرعاية قد امتدت كذلك بالترميم إلى المسجد نفسه، ولا إلى القلعتين القريبتين منه.

وأحسب ان عملية الترميم هذه قد شكلت للقائمين بها تحديات لا تنتهي، سواء من حيث آليات تنفيذها، أو من حيث المواد المستخدمة في انجازها، وعلى الرغم من أننا تعودنا أن ننظر بعين الحذر إلى مثل عمليات الترميم هذه، خشية نيلها من الطابع الأثري العريق للموقع، إلا اننا في هذه الحالة نجد جهداً لا يمكن التقليل بحال من قيمته.شأن كل المساجد الأثرية في منطقة الخليج فإن مسجد البدية مسجد صغيرة المساحة، في انعكاس مباشر لطبيعة المواد المستخدمة في بنائه، ولحقيقة أنه من الناحية الوظيفية أقيم أصلاً ليخدم عددا محدوداً من الذكور من أبناء هذه المنطقة الجبلية، الوعرة.لا وجود هنا لكثير من الملامح التقليدية في المساجد، بما فيها المساجد التركية، فالمئذنة غائبة عن المسجد، والقباب يستعاض عنها بسقوف مدرجة الارتفاع لبناء المسجد نفسه، والسقف يرتفع على أعمدة مكينة.

وعلى الرغم من خشونه داخل المسجد وتواضع مكوناته، فإننا لا نملك إلا التوقف عند المنبر الحجري المؤلف من درجات معدودات، إلى جوار المحراب مباشرة، والذي لا يعلو ارتفاعه عن المنبر كثيراً.وتنهل الاضاءة إلى الداخل عبر نوافذ مرتفعة في الجدران، محدودة العدد، وتحمل لمسات من الزخرفة الجصية الخليجية التقليدية، التي نجدها عادة في هذه النوعية من المباني الأثرية النادرة.

وإذا كانت المساجد المرممة قليلة في الخليج عموما، فإننا في مسجد البدية أمام أحد الأمثلة المحدودة للغاية للمساجد التي رممت مع الإبقاء على الطراز القديم الأصلي نفسه، وباستخدام المواد التقليدية في البناء عينها، وهو الجهد الذي استهدف الحفاظ على هذا المبنى كمسجد أثري له ثقله التاريخي ومكانته في نفوس أبناء المنطقة.

كامل يوسف حسين - تصوير: محمد منور