صوته ذو طبيعة خاصة وأداؤه يسحر الآذان ويستعبد القلوب مبتهل ومنشد يعد وبدون مبالغة صاحب مدرسة في تجويد القرآن الكريم، فكان أول من أدخل النغم في التجويد مع المحافظة على الأحكام واشتهر بقراءته لسورة «الكهف»، كان المؤذن الأول لمسجد الإمام الحسين ـــ رضي الله عنه ـــ بالقاهرة.. رئيس رابطة قراء القرآن الكريم بعد وفاة الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي.
لقب بملك التواشيح الدينية بعد أن أمتع الملايين بحلاوة صوته، فهو بحق أستاذ لكل من تلاه من مبتهلين وقراء للقرآن الكريم، فالمستمع الجيد يجد عند كل قارئ لمحة من مدرسته، وذلك كله بفضل صوته النقي الشجي الذي يشبه بالماء الزلال، الذي ينساب على قلوب المستمعين فيحيطها بردا وسكينة.. الشيخ طه الفشني أحد أعلام قراء القرآن والمنشدين المصريين.ولد طه حسن مرسي الفشني سنة 1900م بمدينة الفشن بمحافظة بني سويف جنوب العاصمة المصرية «القاهرة» في أسرة متدينة، وحرصت أسرته المحافظة على إلحاقه بكتاب القرية لحفظ القرآن الكريم، وبالفعل استطاع أن يتم حفظه في سن مبكرة، ليس هذا فحسب، بل تميز هذا الفتي الصغير بين أقرانه بالصوت الجميل في التلاوة.
وهذا ما شجع أسرته على مساعدته لتعليم فنون التلاوة وعلوم القراءات وأحكام التجويد، وبالفعل أخذ القراءات على الشيخ عبدالعزيز السحار، وتدرج الشيخ طه في دراسته الدينية والعامة، ثم التحق بمدرسة المعلمين بمدينة المنيا، التي تبعد عن مدينة الفشن بقرابة 80 كيلو مترا، وحصل على دبلوم المعلمين وقدم إلى القاهرة قاصداً دار العلوم.
دار العلوم قرر الشيخ طه عقب حصوله على شهادة المعلمين الانتقال إلى القاهرة، لكي يكمل تعليمه بمدرسة دار العلوم، التي كان يقصدها في هذه الأيام كل من يسعي وراء تعلم اللغة العربية الصحيحة، لكن اندلاع ثورة 1919م حال دون التحاقه بها، وهذا بدوره دفعه للبحث عن بدائل لدار العلوم ولم يجد غير الأزهر الشريف، محراب العلوم اللغوية والشرعية في مصر.
وأثناء تواجده بالأزهر أصبح مشهوراً عنه القدرة الفائقة على أداء التواشيح الدينية في مختلف المناسبات، حتى أنه كان ينشد القصيدة الواحدة لمدة أربع ساعات متصلة، كس.ذلك اشتهر بطول النفس. هكذا، كان عشاق الشيخ طه الفشني يسهرون حتى الفجر يستمعون إليه، وهو يؤدي الابتهالات والأذان في المسجد الحسيني، وكانوا يحرصون على الاستماع إليه.
وهو ينشد التواشيح في مولد السيدة زينب رضي الله عنها، وهذا كله ما أهل شيخ المبتهلين في هذه الآونة إلى الاستعانة به للعمل ببطانة فرقته، ثم ذاع صيته بأنه قارئ ومنشد حسن الصوت. والغريب في الأمر أنه بدأ حياته العملية مطربا، وكان في وسعه أن يستمر في الغناء لولا النزعة والتربية الدينية، التي اكتسبها من دراسته في الأزهر.
وكان لسكنه في حي الحسين أثر كبير في تردده لحلقات الإنشاد الديني إلى أن نبغ، وأصبح المؤذن الأول لمسجد الإمام الحسين، كما كان يرتل القرآن الكريم في مسجد السيدة سكينة، واشتهر بقراءته لسورة الكهف يوم الجمعة، وكذا إجادته تلاوة وتجويد قصار السور.
تعاقد مع الإذاعة في عام 1937م ذات ليلة رمضانية كان الشيخ طه يحيي إحدي حفلات الإنشاد الديني بمسجد الحسين، واستمع إليه صدفة سعيد لطفي مدير الإذاعة المصرية في ذلك الوقت، وسرعان ما عرض عليه الالتحاق بالإذاعة، فاجتاز بنجاح جميع الاختبارات، وأصبح مقرئاً للإذاعة المصرية ومنشداً للتواشيح الدينية بها على مدى ثلث قرن.
واشتهر هذه الأثناء بقراءته لسورة «الكهف» بمسجد السيدة سكينة وبالتحديد يوم الجمعة، وكذا إجادته لتلاوة وتجويد قصار السور. وعين الفشني عقب التعاقد معه للعمل في الإذاعة كمقرئ للقرآن، ليعمل كقارئ رسميا لمسجد السيدة سكينة وكان ذلك بالتحديد في سنة 1940م واستمر عمله في هذا المسجد إلى أن وافته المنية، وربما يكون هذا المشوار المشرف كان سببا في اختياره رئيساً لرابطة القراء خلفاً لشيخه عبد الفتاح الشعشاعي سنة 1962م.
وعندما بدأ التليفزيون إرساله كان الشيخ الفشني من أوائل المقرئين، وظهر لأول مرة يوم 26 أكتوبر 1963م، وهو يتلو بعض الآيات من «سورة مريم»، ليحتل بذلك المرتبة الثالثة بين المقرئين الذي تم التعاقد معهم من قبل التليفزيون بعد الشيخين محمد رفعت، وعبد الفتاح الشعشاعي.
مقرئ الملوك والرؤساء
وكان الملك فاروق يحرص على حضور حفلاته، كما تم اختياره لقراءة القرآن والإنشاد في حفلات قصر عابدين، وبعدها اختاره عبد الناصر لإحياء ليالي الصفو الروحاني بقصر رأس التين، وذلك في صحبة الصوت المعجزة الشيخ مصطفى إسماعيل، وذلك نفسه ما حرص عليه الرئيس أنور السادات، الذي كرمه مبعوثاً إلى تركيا لإحياء شهر رمضان المبارك، وقد أهداه الرئيس عبد الناصر طبقاً فضياً ممهوراً بتوقيعه، كما كرمه زعماء باكستان وماليزيا وتركيا، والمغرب، والسعودية، والجزائر، الذي كان فيها خير سفير لبلده.
رحل الفشني عن عالمنا في 10 ديسمبر 1971م، وكان صاحب مدرسة متفردة في التلاوة والإنشاد، وكان على علم كبير بالمقامات والأنغام، وانتهت إليه رئاسة فن الإنشاد في زمنه، فلم يكن يعلوه فيه أحد، وهو أشهر أعلام هذا الفن بعد الشيخ على محمود، ومن أشهر التواشيح كانت «ميلاد طه يا أيها المختار». ولم ينته الأمر عند هذا الحد.
بل في لفتة طيبة من الحكومة المصرية، قامت وزارة الثقافة بتكريم اسمه في عام 1987، ووضعت اسمه ضمن أعلامها للإنشاد الديني بوزارة الثقافة، وفي عام 1991م، منح الرئيس محمد حسني مبارك نوط الامتياز من الطبقة الأولى لاسم المرحوم الشيخ طه الفشني، وتسلمه نجله المحامي زين طه الفشني.
صاحب الكرامات
يذكر أن الشيخ رفعت كان يجله جدا، إلا أن أنه في نهاية المطاف حدث ما عكر صفو هذه العلاقة، حيث أن الشيخ محمد رفعت كان قد طلب من الشيخ طه الفشني الموافقة على زواج إحدى بناته لأحد أبنائه، وما كان من الفشني، إلا أن رفض هذه الزيجة لأسباب لم تعلن في ذات الوقت، وهذا بدوره أغضب الشيخ رفعت ولكن هذا لم يدم طويلا، لأن الشيخ رفعت كان يحب الشيخ طه.
ويحب صوته وكذلك إنشاده. كان الشيخ طه الفشني تقيا ورعا محبا للخير ولا ينسى الذين عاصروه قصة انحباس صوته التي شغلت محبيه عدة أسابيع، وتروي الكاتبة خيرية البكري تلك القصة، فتقول: لقد شاهدت إحدى الكرامات فقد كنت ذاهبة لرحلة الحج، وكنا نستقل الباخرة واستلفت نظرنا وجود شيخ جليل بيننا تعلو وجهه علامات الآسى والحزن.
وهو يجلس على الباخرة صامتا، ويحيط به جمع من أقاربه، وهو سارح يتعبد في صمت، ولما سألنا عنه قيل لنا إنه الشيخ طه الفشني أشهر قراء القرآن الكريم، وأنه فقد صوته فجأة منذ عدة أسابيع، ولم يفلح الأطباء في علاجه، وافترقنا إلى أن جمعتنا البقعة المقدسة يوم عرفة، وكنا نستعد لصلاة العصر وفجأة شق الفضاء صوت جميل يؤذن للصلاة صوت ليس غريبا علينا، وكان هذا الصوت هو صوت الحاج طه الفشني، وقد استرد صوته بفضل الله، وبكيت تأثراً وفرحاً.


