نود أن نذكر الإخوة القراء ممن لم يتابعوا أن هذا العنوان هو عنوان كتيب فيه مادة تتصل بما نحن بصدده من النفحات الإسلامية وفي الحلقة الماضية تناولنا موضوع الخصائص والحكمة، ونخوض الآن في منهج الإسلام في تشريع الصيام.
يقول فضيلة الشيخ عطية محمد سالم مؤلف الكتيب: «للقرآن الكريم بصفة خاصة، وللإسلام بصفة عامة مسالك منهجية في التشريع تتلاءم مع الموضوع المقصود تشريعه» فمثلاً: في تحريم الخمر كان المسلك منهج التدرج (بمعنى ان التحريم لم يأت بغتة ومعروف ان العرب كانوا أهل خمر يعتبرونها صنوا للماء الذي يشربونه ليرووا منه ظمأهم. وعندما ظهر الإسلام لم يكن من الرعيل الأول من المسلمين ينجو من ذلك إلا القلة القليلة جداً، فما كان من الميسور أن يبعدوا عن ذلك إلا بالتدريج، فكان التشريع في تحريم الخمر على هذا النهج)، قال تعالى: «يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس» سورة البقرة ــ الآية 219.وقال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى» سورة النساء ـــ الآية 43 والقوم كانوا يصلون خمس في اليوم والليلة عدا فترات النوافل التي كان ذلك القرن من المؤمنين يحرصون عليها، فمن هنا يتضح أنهم سيقللون من تناول الخمر مادام التوجيه الرباني البعد عن الصلاة في حالة السكر، فهل يعقل أن يترك أولئك الذين علموا قيمة الصلاة عنها؟ إذن لا يكون البعد إلا عن الخمر التي نهوا أن يقربوا الصلاة وهم سكارى بها.
أما في القتال فكان المنهج هو التخفيف، ونقرأ في ذلك قول ربنا سبحانه وتعالى: «يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون.
الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً، فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين» سورة الأنفال ــ الآية 66. وفي الصلاة والزكاة انتهج لتشريع المبادرة والإلزام أما الحج فبحسب الاستطاعة، وهذه حكمة هذا الدين القويم في العبادات والمعاملات، يسر مما كتب لتعاليمه القبول ولاعماله البقاء ولتشريعاته المثل العليا، لا ينكر ذلك الا معاند وجاحد لهذا الفضل من الله الرؤوف الحليم الرحيم.
ونأتي إلى منهج الإسلام في تشريع الصيام. يقول شيخنا الجليل فضيلة عطية سالم: «منهج تشريع الصيام جمع بين التخفيف والت الكفارات عنها ولم يكلف بزيادة كسب حتى يمتلك نصاب الزكاة، بل ان كلا من الزكاة والحج يسقط عن العاجز والفقبر، ووحده الصوم، إذا لم يصم لعذر من الأعذار المباحة أطعم، على الحد الملزم به وهو «إطعام مسكين» عن كل يوم أو يندب له الزيادة عن ذلك ان كان في مقدوره هذه الزيادة لأن الهدف الأسمى في هذه الفدية هو كفالة الفقراء والمساكين وفي ذلك خير يعود على المتطوع بهذه الزيادة «ومن تطوع خيراً فهو خير له».
هذا هو الإسلام في قوامته وتساميه وعظمته ولو كره المبغضون له، ورغم أنف المسيئين له افتراء عليه، دعوة للالزام بأمور ظاهرها وباطنها الإحسان وتشجيع وتحفيز على ان نتطوع خيراً ان السيئة جزاؤها سيئة مثلها، لا يريدنا الإسلام ان لا نأخذ حقنا من المسيئ لنا دون تجاوز او شطط ولكن من جهة أخرى ندبنا مع الاستيفاء لحقنا لأفضل من ذلك وهو العفو، وبهذا العفو نترفع عن المسيىء بشرط الإصلاح لانه لا يجوز العفو عمن تجب إدانته والعفو والمغفرة من الله لنا، فما أجمل إسلامنا.
محمد الطيب عربي

