يحمل رمضان ذكريات في نفوس جميع المسلمين لما فيه من تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، إلا أن هذا الشهر الكريم له ذكريات خاصة جدا مع الذين شاركوا جنودنا البواسل على الجبهة في العاشر من رمضان من علماء الدين، وكان الشيخ منصور الرفاعي عبيد الوكيل الأول السابق لوزارة الأوقاف لشؤون الدعوة والمساجد هو قائد قافلة الدعوة على جبهة القتال المصرية، وأحد الدعاة القلائل الذين أبلوا بلاء حسنا في حقل الدعوة سواء على المستوى الرسمي من خلال موقعه أوعلى المستوى الخاص في داخل مصر وخارجها.

ويبدأ الشيخ منصور الرفاعي في سرد ذكرياته الخاصة جدا عن رمضان بقوله: كنت قبل الحرب بأيام في مهمة للدعوة بالسنغال، ورجعت إلى مصر يوم السادس من رمضان، وطلبت يومها من محافظ السويس الذهاب إلى مواقع القوات المسلحة ولكنه رفض..إلا أنه عندما بدأت الحرب أجريت عدة اتصالات بالأخوة من الدعاة والوعاظ وأئمة المساجد تجاوز عددهم الـ 300 إمام، ثم اتصلت بإدارة الشؤون المعنوية وأخبرتهم أنني ومن معي جاهزون للانضمام إلى صفوف قواتنا المسلحة ومستعدون للتبرع بالدم فطلبوا منا الانتشار بالمساجد، وتوعية الجماهير وأن نكون دائما على صلة بالتوجيه المعنوي. بعد ذلك ذهب بعضنا إلى المساجد لتأدية الصلاة وإقامة الشعائر، فيما انتشر البعض الآخر بين المواطنين لبدء مهمة خاصة تستهدف حث الناس على التبرع بالدم، وتشجيع النساء على الالتحاق بالجمعيات لإعداد الطعام وتجهيز الملابس، ولا أنسى أبدا الاستجابة الرائعة للمواطنين المصريين، حتي إخواننا المسيحيين دخلوا في منافسات للقيام بالدور فظهرت الوحدة الوطنية.

وكان الشعار الهام «مصر أولا» و«مصر فوق كل شيء»، وبعدها ذهبت إلى السويس ومكثت بها أكثر من ليلة، ورأينا ثقة الجندي المصري في نفسه وتحمسه لأداء الواجب، وكنا لا نلاحظ أي تعب أو إرهاق عليهم، ونرى شعار الجندي «إذا وقع بطل قام من بعده أبطال» وأضاف: كنا نتحدث مع الجند عن القتال والشجاعة والقوة والرجولة والثقة في الله والنفس، وذلك من خلال استرجاع التاريخ أمامهم والإشادة بقادة الإسلام كأمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وصلاح الدين الأيوبي، وغيرهم.

وقال: إنه إذا كان على رجال الدعوة دور كبير في الحرب فإن دورهم أكبر وأعظم في السلام وتنمية الشعوب وتهيئة المجتمع لاستقبال كل ما هو جديد وتنقيته لأخذ ما يصلح حالنا ومجتمعنا منه.. وعن أهم المواقف والذكريات التي لا ينساها الشيخ منصور الرفاعي، أثناء قيادته لأئمة الدعوة على الجبهة فيقول: من أهم هذه المواقف على الإطلاق عندما التقيت باللواء منير شلش وسألته عن الحصار الذي تعرضت له احدى فرق الجيش المصري في شمال سيناء.

وأخبرني اللواء وبكل ثقة أن هذه زوبعة لكننا حاصرناها في فنجان، ولولا أننا نعتز بكل قطرة دم مصرية لأبدنا الجيش الإسرائيلي عن آخره.ويذكر لنا موقف آخر لا ينساه قائلا: حينما كنت أسير في شوارع السويس بصحبة محمد الخولي المحافظ آنذاك، كانت مدافع العدو تقترب وانطلقت دانة فقطعت رقبة شاب يركب دراجته ويحمل الخبز على رأسه وتطاير الخبز ملوثا بالدماء.

وبقي الشاب على دراجته إلى ان اصطدم بالحائط وتحرك المواطنون لإنقاذ الشاب لكن رقبته كانت تتطاير ثم حملوه وصلوا عليه ودفنوه ولم ترهبهم مدافع العدو التي كانت تنطلق فوق رؤوسهم وكانت صيحاتهم تملأ السماء «الله أكبر»، «الله أكبر» وساعتها همس المحافظ في أذني وقال: إنني أسمع تجاوب الأحجار والأشجار، ومياه القناة تردد شعار النصر معنا (الله أكبر.. الله أكبر).