أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض..
وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسموات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
المكنسة الكهربائية في سنة 1826 أوفد والي مصر محمد علي باشا أول بعثة من الشباب لتلقي العلم في باريس.. عاصمة الحضارة في ذلك الزمان.. واختار الوالي واعظا تخرج من الأزهر ليكون إماما للبعثة.هكذا وجد الفتى الأزهري رفاعة الطهطاوي نفسه في غمار نقلة حضارية خطيرة.. وعندما تطلع من حوله في عاصمة الفرنسيين كان أول ما التقطته حافظته اللماحة هو رونق النظافة الذي يسود شوارعها.. وسرعان ما عاد بالذاكرة المقارنة إلى عاصمة بلاده في أرض مصر حيث كان القوم يجهدون ويكدحون ويمضون الساعات الطوال لمحاولة تنظيف بعض شوارعها..
وكان العمل مجهدا، لأن أهل القاهرة كانوا يستخدمون وقتها وسائل بدائية لتنظيف الشوارع ورشها بالمياه في حرارة الصيف فيما كان أهل باريس يستخدمون عربة تجرها الجياد وقد نصبوا فوقها وعاء هائلا ومملوء بالمياه واصطنعوا بدّالة يدوس عليها الحوذي بقدميه فإذا بالمياه تندفع من رشاشات العربة فتغمر الشوارع على مساحة واسعة..
وفي دقائق معدودة وبعدها تسود النظافة بعيدا عن الجهد اليدوي الذي كان يبذله أهل رفاعة من عامة المصريين. لهذا ظل الفتى الأزهري المبعوث يحلم بعربة رش مماثلة.. تستخدم هذه السبل «الآلية» كما قد نصفها لتنظيف المكان. ولا شك أن حلم النظافة ظل يراود أفئدة شتى من شعوب وأمم عديدة مصحوبا بالرغبة في إنجاز المهمة بأكبر قدر من الكفاءة وأقل قدر من جهود أو إرهاق البشر.
والمهم أنه بعد أربعين سنة تقريبا من ملاحظة الطهطاوي في باريس.. تحقق جزء من حلم التنظيف ولكن في مدينة شيكاغو هذه المرة عندما طالع الأميركي إيف ماكجافي قومه باختراع آلة تعمل يدويا وأطلق عليها وصف (دوامة الريح).. وكان ذلك عام 1868.
ويتم تشغيلها من خلال عمود دوار يشفط التراب من فوق الأرض أما مشكلتها فكانت طبعا هو ضرورة التحريك المستمر للعمود الحديدي وإن كانت ميزتها أن تغني عن استخدام مكانس القش أو الليف الساذجة الموروثة منذ آلاف السنين. وربما تكمن ميزتها الأساسية في مجرد عملية الشفط.. القائمة على فكرة تفريغ الهواء (فاكوم من اللغة اليونانية).
ثم زادت هذه الميزة جليا بعد أن توصّل العالم إلى طاقة الكهرباء السحرية منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومما أتاح لمبدع آخر اسمه هيوبرت سبيل بوث أن يسجل اختراعا تحت عنوان «مكنسة السجاد وجامعة الغبار الكهربائية» .
وكان ذلك عام 1901 ومن الطريف أن الأخ بوث أجرى تجارب الاختراع بطريقة أكثر من ساذجة حين وضع منديله على كرسي وأدخل فمه داخل طيات المنديل وظل يشفط مستنشقا أكبر قدر من الهواء المتاح وبعدها فتح المنديل ليجده حاملا كمية من الأتربة العالقة وبعدها استخدم البترول لإدارة شفاطة جمع التراب ثم تطور الأمر إلى استخدام الكهرباء ولكن ظلت المشكلة هي ضخامة المكنسة المستجدة .
حيث كانت عبارة عن ماكينة تتحرك فوق عجلات يدفعها العمال ويصفّونها أمام المكان المطلوب كنسه وتنظيفه. صحيح أن مثل هذه المخترعات لم تكن عملية بما يكفي، وصحيح أن أداءها كان أقرب إلى البدائية ولكنها كانت – شأن كل ريادة غير مسبوقة - تنمّ عن قدرات الإبداع البشري، وتؤكد على ما يراود الإنسان من طموح إلى أن يضفى على حياته ومجتمعه لمسات من تجدد وراحة بل ودعة ورفاهية في بعض الأحيان.
فضلا عن كونها شكلت منطلقا تتحرك منه تطويرات وتجديدات لاحقة كان أهمها مثلا أفكار جمس سبانغلر الذي استخدم الكهرباء في إدارة مكنسة بعد أن نجح في تصغير حجمها وتصميمها على شكل صندوق أيسر في تناوله ثم أضاف إليها مروحة وفرشاة تزيد من كفاءة التشغيل وباع هذه الأفكار والتصاميم جميعا إلى عدد من أنسبائه الذين كانوا يملكون شركة اسمها «شركة هوفر للمصنوعات الجلدية» التي عكف مهندسوها على تطوير الاختراع وتركيب عجلات صغيرة لصندوق التنظيف وتزويد الآلة بكواتم للصوت من أجل تيسير استخدامها في الأماكن المغلقة.
مع هذا كله ظلت المكنسة.. الكهربائية أداة كمالية وتكاد تقتصر على بيوت الموسرين بل لم تكن ترحب بها مجتمعات العالم الثالث حيث كان بالإمكان رفع السجاجيد وتنظيف الأرضيات بالمياه ومن ثم تجفيفها واستعادة هذه الأرضيات رونقها. لكن بعد الحرب العالمية الثانية اتجه العالم إلى استخدام أرضيات السجاد الصناعي من الجدار للجدار (الموكيت) وخاصة بعد نجاح اشتقاق مثل هذه المواد في صناعات النفط ومن ثم اتسع إلى حد الرواج بل والضرورة أيضا اقتناء المكنسة الكهربائية.
بعدها أصبحت هذه الآلات المكهربة جزء من أثاث البيت الحديث حتى مع تواضع القدرات المالية أو المكانة الاجتماعية. وعندما تبدأ هذه السيدة أو تلك في الشرق أو الغرب من عالمنا في تشغيل مكنستها لزوم التنظيف.. فربما لا تذكر أن المسألة بدأت برجل أميركي اسمه بوث..
وضع منديله يوما ليشفط بأنفه غبار الحجرة حتى ليقال أنه كاد يختنق مما أصابه من غبار قبل أن يثبت لنفسه نجاح تجربة الشفط باستخدام الآلة. وربما لا تذكر أيضا أن رجلا آخر اسمه سبانغلر أضفى تجديدات على الماكينة دون جني أرباح منها فباعها إلى أصهاره وكان سبانغلر مصابا بالربو ومن ثم كان عداؤه للأتربة ورغبته الجامحة في إزالة صندوق الغبار.
وقد لا تذكر أيضا أن نسيبه هوفر هذا كان موشكا على إفلاس شركته إذ كانت تنتج سروج الخيول الجلدية وكان العالم من مطالع القرن العشرين موشكا على طلاق عربات الجياد بعجلاتها وحوذييها وسروج خيولها – كي يتحول إلى استخدام السيارات أما الذي أنقذ شركة هوفر من هذا الإفلاس فهو شراؤها حق اختراع ماكينة الكنس الكهربائية في عام 1908 ليرتبط الاختراع باسمها على مدى القرن العشرين.
مع هذا كله فقد دخلت المكنسة الكهربائية الأولى سجل التاريخ من الباب الملكي إن شئت التعبير: ففي سنة 1902 كان الإنجليز يستعدون لتتويج إدوارد السابع ملكا على عرش انجلترا.. وفي غمار الاستعدادات للحفل البهيج لاحظ المشرفون مساحات من الغبار المتراكم تحف بمواقع العرش الإنجليزي في كنيسة وستمنستر. لهذا استخدموا الطراز الضخم الذي ألمحنا إليه من المكانس المدارة بالكهرباء ورغم إن ضجيج دورانها كان يصك الأسماع، فقد راع الملك الإنجليزي مدى ما أنجزته من نظافة المكان.
وربما كان أول مرسوم أصدره هو تزويد قصر بكنجهام وقلعة وندسور الملكية بهذه المكانس العجيبة.. وهنا يقول مؤرخو الموضوع قائلين: وبفضل هذه اللفتة الملكية.. كان نجوم المجتمع الإنجليزي يقيمون حفلات شاي ليشهدوا هذه الآلات المستخدمة (وقتها) وهي تنجز عملها الرائع غير المسبوق في إضفاء رونق النظافة على جنبات المكان.
وعاء الترموس
يطلقون عليه حرفيا بالانجليزية عبارة «قنينة الفراغ» حيث تدور فكرته الأساسية على إيجاد أو اصطناع منطقة مفرغة حول المادة الساخنة أو الباردة التي يحتويها بما يكفل إحاطتها بوسط عازل يحفظ لها درجة الحرارة أو البرودة المطلوبة. والفكرة على بساطتها ظلت بانتظار العقل اللماح الذي يهتدي إليها.. وكان ذلك تحديدا في عام 1882 حيث توصل إليها عالم الفيزياء والكيمياء الإنجليزي سير جيمس ديوار.
ولهذا يطلق على هذه الأداة اسم «قنينة ديوار» في بعض الأحيان. ورغم التوصل إلى فكرة العزل في إطار التفريغ فلم يتح ترجمتها إلى واقع عملي أو بالتحديد إلى منتج تجاري إلا بعد حلول القرن العشرين وبالذات في عام 1904 عندما تبنت الفكرة شركة ألمانية وأنتجت أول طراز من أوعية العزل الحراري التي ما برح الناس يستخدمونها عبر سنوات القرن العشرين وحتى الآن..
كانت المؤسسة الألمانية المنتجة تحمل اسم ترموس وهو مقولة مشتقة بداهة من معنى الحرارة في لغة اليونان، وبالتالي عرف الناس المنتج الجديد باسم الترموس وظلوا يستخدمونه إلى أن تلقفته الشركات الأميركية وأضفت عليه لمسات من رقة وذوق ثم سجلته في دفاتر براءاتها في عام 1963.
وبعدها أنتجت الأجيال الجديدة من الترموس لتكون عبارة عن قنينة من زجاج أو من معدن خفيف أو بلاستيك ذات جدران مجوفة حيث المنطقة الضيقة بين الجدار الداخلي والجدار الخارجي مفرغة من الهواء حتى تكون محكمة الإغلاق وبالتالي يمكنها الاحتفاظ بنوعية محتوياتها وهي غالبا من السوائل باردة لمدة 24 ساعة أو ساخنة لمدة 8 ساعات.
والطريف أن تنازعت ملكية هذه الفكرة 3 دول غربية كان أولها انجلترا المنسوب إليها المخترع الاسكتلندي السير ديوار – والثانية ألمانيا حيث نال الاختراع اسم الترموس بناء على اقتراح من مواطن ألماني بسيط فتح القاموس ليعثر على الكلمة اليونانية ثيرموس بمعنى ساخن، فضلا عن الولايات المتحدة التي أجادت صناعاتها ومختبراتها فنون التطوير والتبسيط والتزيين.
وفي كل حال فقد دخلت قناني الترموس سجل التاريخ.. لا بفضل خدماتها لطلاب الرحلات المدرسية أو لعشاق رحلات البر في بوادي الصحراء ولكن بالذات لأنها أتاحت فوائد جمة لأهم استكشافين في مجال الجغرافيا الكوكبية في زمانها وهما رحلة شاكلتون إلى القطب المتجمد الجنوبي (لاستكشاف قارة انتاركتيكا) ورحلة بيري لاستكشاف القطب المتجمد الشمالي من كوكب الأرض. وطبعا كان في مقدمة هذه الخدمات الجليلة إن استطاعت قناني الترموس الحفاظ على السوائل على مدار ساعات لكي ينعم المكتشفان الكبيران باحتساء سائل دافئ وسط قسوة الزمهرير.
محمد الخولي

