هذا العنوان أيها القارئ العزيز ليس من عندي ولكنه عنوان كتيب صغير في حجمه من القطع الصغير صفحاته لا تتجاوز المئة الا بقليل، وهو من سلسلة الرسائل المدنية تحت الرقم (10) منها والتي تصدرها مكتبة بالمدينة المنورة ـــ على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم. والكتيب لفضيلة الشيخ عطية محمد سالم، صدر في العام 1988م.
والحقيقة أنني لم أقف على هذه السلسلة المباركة إلا على هذا الاصدار منها وهو صغير في حجمه ولكنه كبير وممتع في عرضه لموضوعاته، شدني كثيراً فاحببت أن اشرك قارئ «نفحات اسلامية» معي، عله يجد المتعة التي وجدتها. ولا أعتقد أن حلقة واحدة من حلقات «نفحاتنا» تكفي لهذا العرض.ومن أجل ذلك استميحكم عذراً في أن تبقوا معنا في ما يتسع لنا الأمر من حلقات مع العالم الشيخ الجليل عطية في «رمضانياته» بداية يتحدث شيخنا عن استقبال المسلمين لشهر رمضان وهذا قد تحدثنا عنه في أولى حلقاتنا، وما علينا إلا أن نتصفح ما بعد ذلك.
فقد تحدث عن الصيام قبل الإسلام فذكر ان هناك صوراً متعددة لصيام من قبلنا، أورد منها على سبيل المثال لا الحصر صيام نبي الله داود عليه السلام الذي كان يصوم يوماً ويفطر يوماً على ما حدثنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله: «خير الصيام صيام أخي داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً» وفي تعريف ذلك أورد ما ذكره داود عليه السلام حيث قال: «أما اليوم الذي أصوم فيه فاتذكر الفقراء، وأما اليوم الذي أفطر فيه فأشكر الله على نعمته».
ومن أنواع صيام من كان قبلنا صيام مريم عليها السلام في قوله تعالى: «فأما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم انسيا» سورة مريم ــ الآية 26 فكان صياماً عن الكلام، لا امساكا عن الطعام.
ومن ذلك أيضاً صيام نبي الله موسى عليه السلام في المواعدة ــ كما ذكر العلماء ـــ عند قوله تعالى: «واذ واعدنا موسى أربعين ليلة» سورة البقرة ـــ الآية 51. ذكر العلماء أنه قضى أيامها صائماً استعداداً للملاقاة والمناجاة وعنه أيضاً صيام يوم عاشوراء اليوم العاشر من شهر المحرم شكراً لله ان نجاه وقومه بني إسرائيل من فرعون في ذلك اليوم، وقد توارث اليهود صيامه عنه إلى أن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهم على ذلك فصامه.
وقال: «نحن أحق بموسى منهم» ويعتبر يوم عاشوراء أول مشروعية الصيام في الإسلام حيث صامه عليه الصلاة والسلام على ما أشرنا وأمر المسلمين بصومه وقال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر» أي مخالفة لليهود.
ويلاحظ أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عندما سن صيام عاشوراء، لم يكن صيامه لمجرد موافقة اليهود بدليل مخالفته لهم بضم التاسع إلى العاشر ولقوله صلى الله عليه وسلم بان السبب في صيامه هو ذات السبب الذي دعا موسى عليه السلام إلى صومه وهو امتنان الله عليه بطريق في البحر يبس ونجاته من فرعون وقومه فصامه شكراً لله، وهو سبب له أهميته وعظيم مدلوله في جميع الأديان وتاريخ الرسل مع الأمم لأنه إعلان واثبات لانتصار الحق على الباطل في الصراع المتواصل على البقاء والإصلاح بصرف النظر عن الأطراف والأشخاص وعن الزمان والمكان.
ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بموسى منكم» وبين صلى الله عليه وسلم رابطة النبوة بقوله: «نحن ــ معشر الأنبياء ــ ابناء علات، ديننا واحد» وأبناء العلات هم الأخوة لأب ووحدة الدين تتمثل في الأصول والعقائد، فانتصار موسى ونجاته من عدوه انتصار لدين الله ونبيه وسواء في المبدأ زمن موسى أو زمن محمد عليهما الصلاة والسلام، لأنها قضية حق واظهار عدل وهذه مبادئ الاسلام والمسلمين، مما لا يدركه الذين لم يتبعوا خاتم النبيين، قال تعالى: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله» سورة البقرة ـــ الآية 285.
ويستطرد الشيخ عطية قائلاً: «ثم جاء فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة مرتبطاً بأعظم حدث وهو نزول القرآن الكريم، قال تعالى:« شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» البقرة ـــ الآية 185، وهذا السبب في تعظيمه من الله سبحانه وتعالى بفرضية صيامه شكراً لله على منه وكرمه بهذا النور المبين، لتجدد الأمة رابطتها بربها وتوثق عهودها بمبادئ ديننا ويبقى على جدته لا تبليه الأعوام ولا توهنه الأيام.
وعن خصائص الصيام وحكمته يقول الشيخ عطية سالم: «لكل عبادة في الإسلام خصائصها وحكمتها، فالصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، وهي نور وصدقة وبرهان، كما في الحديث الشريف، والزكاة طهر للمال وتزكية لصاحبه. قال تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها» سورة التوبة ــ الآية 103، والحج منافع للناس عاجلاً وآجلاً قال تعالى: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عمق. ليشهدوا منافع لهم» سورة الحج ــ الآيتان 27 ــ 28.
اما الصوم فهو جماع الخصائص هذه كلها فجميعها تصب في التقوى، والتقوى تتأتى من إخلاص العبادة لله، وهذه التقوى هي اخصب خصائص الصوم. قال تعالى: «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» سورة البقرة ــ الآية 183 وحقيقة التقوى الوقاية والستر وهي صيانة النفس من نوازعها وهي جماع الأمر كله.
