في الأمثال الدارجة، وهو مثل مشترك بألفاظ متقاربة في الأقطار العربية كلها: إنه لا أعز من الولد على قلب أهله وذويه إلا ولد الولد.
* الأحفاد مع الأولاد وقد عرف الناس في المروي، والمأثور حب رسول الله صلى الله عليه وسلم للحسن والحسين (رضي الله عنهما)، وتعلموا منه كيف يعاملون أحفادهم، ويتعاملون معهم، وفي المروي من الحديث: أحبّ الله من أحب حسناً وحسيناً. وكان صلى الله عليه وسلم يلاعبهما ويحملهما، وكانا يريان منه صلى الله عليه وسلم المحبة والحنو. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة للناس في هديه جميعاً.وقد انتقل هذا الهدي من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس، وصاروا يقتدون به في هذا وأمثاله، وكانوا في الجاهلية في الغالب الكثير يصدون عن ذلك، ويعدونه ضعفاً. وكان أحد الناس شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل أحفاده فاستغرب وقال إنه لا يفعل ذلك، فنبهه صلى الله عليه وسلم ودله على ما يلزم في ذلك من حب الصغار وإظهار المودة لهم.
ونقرأ في أخبار أحمد شوقي أن ابنه علياً رزق بغلام فسماه باسم أحمد مخلداً ذكر والده (أحمد شوقي)، قال حسين ابن الشاعر في مذكراته عن الحفيد: وقد أحبه أبي حباً جماً، ونظم فيه قصيدة في أحد أعياد ميلاده ضاع بعضها وبقي منها قوله:
روحي ولذّة عيني/ عوّذْتهُ بالحُسَينْ
سُلالتيِ من عليّ / ولَدَتْهُ مرّتين
أحببته كأبيه / وزدتهُ حبتين!
طفلٌ علينا أميرٌ / وسُخْطُه غيرُ هَيْنِ
يُقصي ويُدْني بأوُلى / إشارة الرَّاحتين
ويَزدهي بخداعٍ / وقول زور ومَيْنِ!
وظاهر أن كلام شوقي انقطع، قبل أن يورد الشاعر أفكاره أو يتم رؤيته لمجيء الحفيد الذي سيخلده، ويحيي اسمه، ويبقي سلالته كما قال. وقول شوقي (ولدته مرتين) عبارة معروفة، قالها لمعنى: أنه ولد ولده.
وانشغل الأخطل الصغير بحفيدته (ندى) انشغالاً عظيماً. وألقى الشاعر قصيدته سريعة، خفيفة الإيقاع، متلاحقة الأفكار، مكثفة العواطف اختار لها بحراً من القصار هو بحر المجتث (مستفعلن فاعلاتن) وقال:
ندى ندى بسمة الور.. / د للندى في الصباحِ
ندى ندى همسة الطهـ / رِ في شِفاهِ الأَقاحي!
ندى ندى شعلة الحبّ / قبلة الأرٍواح
كم من وشاح كسَاها الـ / جمال كم من وشاحِ!
وترداد اسم (ندى) هو ظل لما في نفسه من المحبة لهذه الحفيدة، التي ترى أن الشاعر يطير بها فرحاً.
ولم يكتف الشاعر بهذا الهتاف المتواصل، الرقيق الرفيق، واستمر على طريقته الرائعة الفائقة، واصفاً إياهاً، متحدثاً عنها..
أخت الفراشات يلعبْـ / نَ حاليات الجَناحِ
لم تبق للشذا والطيب / من شذىً وصُداحِ
كم من وشاحٍ كساها الـ / جمالُ كم من وشاح!
والتفت إلى شؤون صغيرة من شؤون (ندى) الحفيدة، في انتباه إلى أشياء أعجبته أو أدهشته أو كانت ذا مزية خاصة فيها ـــ (كما يرى الجدّ المحبّ)
من صفّف الشعر فوق الـ / جبين سطر كتاب؟
رددت لي بعد يأسي / حلم الهوى والشباب!
كأن شباب الشاعر تجدد بمجيء حفيدته، ثم قال:
من أنت؟
الله الله لمّا / عضت على العُنّابِ
وصفقت بيديها / وغَمْغَمت بالجواب
سل الرياحين عَنيّ / وسل حنينَ الرّباب!
ندى ندى بسمة الور / دِ للندى في الصّباح
كم من وشاح كساها الـ / جمالُ، كم من وشاح!
ويلاحظ أن الشاعرين اختارا، في زمانين مختلفين الإيقاع نفسه من بحر المجتث ذي الحركة الخفيفة الرشيقة.
أ.د محمد رضوان الداية

