عبد الله خميس راشد الحبسي رجل طاعن في السن تخطى السبعين، وهو متزوج من ثلاث نساء ولديه منهن 23 من الأبناء والبنات ومع ذلك فان شد على يديك فأنت تجزم بأنه شاب في الثلاثين من العمر فهو لا يزال يتمتع بقوة وصلابة السلاسل الجبلية التي يسكن إلى جوارها.
الحبسي يسكن في بيت منعزل بمنطقة ملحة الجبلية وان سألته عن سر ذلك الشباب يجبك بأنه يعود لعوامل من بينها طاعة الله والتغذية المعتمدة على الرطب والحليب الطازج وعسل النحل.وقبل أن يتقاعد الحبسي كان يعمل ناطورا في أحد مستشفيات منطقة رأس الخيمة الطبية لكن المهنة الرئيسية التي جلبت له الشهرة على امتداد أصقاع الديرة هي صناعة الطبل.ويقول: عندما كانت في العشرين من العمر اتجهت لصناعة الطبل وشجعني على ذلك رجل من أهل عمان اسمه عبد الله سيدوه كان يقيم معنا في المنطقة وهو من أمهر صناع الطبل في ذلك الوقت، كما كان جدي وعمي يجيدون صناعة الطبل.ويتابع الحبسي: نظرا لأنني تعلمت صناعة الطبل في عمر مبكر فقد كنت حاذقا في صناعتها بل ابتكرت من الطبل أشكالا تثير الانتباه وتلهب الحماس وتبهج القلوب بالأفراح.
عبد الله الحبسي من مواليد البريرات: أي أنه من أبناء إمارة رأس الخيمة وكان أبوه مقربا من حكومة الإمارة حيث كان يمثلها كأمير في منطقته، تقع على كاهله مسؤولية تنظيم شؤون أهل المنطقة التي يعيش فيها والعمل على حل مشاكل أهلها وقد ورث تلك المكانة الاجتماعية المرموقة من جده.
والطبل الذي برع بصناعته الحبسي هو آلة يدوي صوتها في أرجاء المجتمع حيث يستدل به على وجود مناسبات الأفراح ورقص العيالة وحفلات الختان والأعياد الوطنية والمناسبات الدينية.
وبرأي الحبسي فان صناعة الطبل هي هواية قبل أن تكون مهنة ومصدرا للرزق لافتا إلى أن من يقوم بها إذا لم يتملكه الإحساس بأنه يؤدي عملا تهواه نفسه فانه لن يصبر عليها أبدا بل سرعان ما يهجرها وتأبى نفسه الاقتراب منها.ويقول الحبسي إن أفضل أنواع الطبل متانة وصوتا هو المصنوع من شجر السدر أما عملية صناعته فهي تتم من خلال دباغة الجلد بواسطة محلول يتكون من الماء والملح وثمار شجرة القرض.
ويشرح عبد الله الحبسي الطبل بأنه يتألف من:
الجسد: وهو الجزء الأكثر أهمية ويـألف من الاسطوانة الخشبية التي تصنع عادة من جذوع الأشجار وأجود الأنواع هو السدر والقرط والشريش.
أما طريقة تصنيع الطبل فهي تتم من خلال أخذ جذع الشجر الذي يقطع إلى قطع تعادل كل منها طول الطبل الذي هو عبارة عن ذراع بفتح اليد بالإضافة لعرض أصبع وينبغي أن يكون قطر الجذع يعادل ذراعا أيضا لكن بكف مضمومة. وشدد الحبسي على ضرورة البحث عن الجذع المناسب لصناعة الطبل وخاصة من الشجر الأنسب لهذه الصناعة وهو شجر السدر أو القرط.
ويستطرد الحبسي بأن مهمة البحث عن جذع الشجرة للحصول منه على قطعة بقطر ذراع مع ضم الكف مهمة ليست من السهولة بمكان، لافتا إلى أنه كلما كان الجذع مناسبا أمكن تركيب الجلد عليه لفترة تمتد طويلا.والجزء الثاني هو الخاص بالجلد حيث يمكن استخدام فرو الغنم والجمل المتوسط العمر لا الكبير ولا الصغير.
ويقول: في مناطق أخرى قد يستخدم جلد البقر في صناعة الطبل ولأنه لا يوجد جلد جاهز في الأسواق فان صانع الطبل يلجأ لتحضيره بنفسه فيذبح الدابة وبعد أن يأخذ عنها الجلد يقوم بعملية تصنيعه ليكون مناسبا للطبل.
ويتابع الحبسي قائلا: إن عملية تصنيع الجلد تتطلب خبرة كما هي الحال بالنسبة لتصنيع الطبل فأول ما نبدأ به هو بسط الجلد المسلوخ ثم نأتي بشجر الألقة من الجبل وندقه جيدا ونضعه داخل الجلد مع الملح ثم نضع الجلد المملح مع مسحوق شجر الألقة داخل الماء لمدة يوم ونصف اليوم في الوقت البارد ويوم واحد في الوقت الحار ثم ينشر ليجف جفافا بدون يباس وبهذا يكون صالحا للتركيب على جسد الطبل.
أما الجزء الثالث فهو يتعلق بالمواد الداخلة في عملية التصنيع وهي عبارة عن خيطان غليظة نسبيا (حبال) من النايلون نجدها جاهزة حاليا في الأسواق كانت قديما تصنع من شعر «الهوش» بواسطة المغزل أما الأدوات المستخدمة في عمليات التصنيع فهي العتلة للحفر والمسحل لتنعيم الخشب من الخارج.
وبحسب صانع الطبل الحبسي فانه ليس بالضرورة أن يكون صانع الطبل عارفا بطريقة قرعه فالطبالة هم أناس معروفون في المجتمع ويتم استدعاؤهم وقت الأفراح بل لا يشترط في الطبال أن يكون عنده طبل وإنما قد يستعيره.
والمثير في الأمر في الطبل يعتقد الكثيرون أنه بات من محتويات المتاحف، لكنه موجود في المجتمع وبقوة والدليل أنه أغلى قيمة من ذي قبل إذ يباع بأكثر من ألفي درهم.وعلى أية حال فإنه عندما يكون الطبل جاهزا فما على أفراد المجتمع إلا أن يتهيأوا جيدا لأن مناسبة مهمة تنتظرهم عاجلاً أو آجلاً.
سليمان الماحي

