الإنشاد الديني في مصر بدأ في الانقراض بعكس الدول العربية الأخرى، التي بدأت بدورها تسحب البساط من تحت أقدام المصريين، فإنه في المغرب الآن يوجد ما يربو على 15 فرقة إنشاد، وفي سوريا يتجاوز العدد 20، وحتى دولة روسيا أصبح لديها 30 فرقة، فضلا عن وجود مدارس للإنشاد الديني هناك، وفي الوقت الذي لا يوجد فيه بمصر مدرسة واحدة لهذا النوع من الفن تعلم الشباب الثقافة الفنية الأصيلة. هكذا يرثي الشيخ محمد الهلباوي أحد رواد فن الإنشاد الديني في هذه الآونة فن الإنشاد الديني في مصر.

ولد الشيخ محمد الهلباوي في فبراير 1946 بباب الشعرية القابعة وسط العاصمة المصرية القاهرة، والقريبة في ذات الوقت من منطقة القاهرة الفاطمية، حيث المساجد الفاطمية الكبرى، التي يقام بها إلى الآن حفلات الإنشاد الديني وخاصة خلال أيام شهر رمضان، وهو أيضا ينسب إلى عائلة «الهلباوي» صاحبة الأصول العريقة في مجال فن الإنشاد، فالجد الشيخ الهلباوي محفظ القرآن بأحد كتاتيب قرية «ميت كنانة» بمحافظة القليوبية، وأحد كبار منشدي القرية في ذلك الوقت. هكذا، ورث الحفيد عن جده تركة تبدأ بالصوت النديّ وتنتهي بحب الإنشاد والعمل به، والأمر لم يقف فقط عند حد الوراثة بل كبر وترعرع، حيث تربى الهلباوي في حضن الكتاتيب والأزهر الشريف، وتخرّج ليسجل نفسه بالإذاعة كمنشد، إذ كانت وقت تقدمه لها عام 1978 مكتفية من القراء، فتم اختياره في الابتهالات والتواشيح، وقبلته الإذاعة من اللجنة الأولى.

حيث كانت إذاعة القرآن الكريم في الماضي تقدم المبتهلين والمنشدين من كل القطر المصري، حيث كان هناك تقليد بأن تتم إذاعة صلاة الفجر في كل يوم من أحد المساجد، وتستضيف الإذاعة المبتهلين من كل المحافظات، فيتعرف عليهم الناس ويسمعونهم ويتعرف المشايخ بعضهم ببعض.

تمييز مدبر أما الآن، فلقد تقلص الوقت المخصص للإنشاد قبيل الفجر إلى 4 دقائق بدلاً من 12 دقيقة، وأصبح الوقت المخصص لنقل صلاة الفجر كله لا يتجاوز 45 دقيقة، تتضمن الأذان والإقامة والصلاة وتلاوة القرآن والابتهال، حتى إنهم حذفوا الوقت المخصص لتلاوة القرآن ما بين الأذان والإقامة، وهذا كله ساهم بشكل كبير إلى هروب المنشدين إلى ساحات أخرى للعمل فمنهم من تخصص في التلاوة وآخرون تخصصوا في الغناء.

إلا أن محمد الهلباوي لم يكتف بعمله كمنشد ومبتهل في الإذاعة، بل كمل دراسته للموسيقى في القسم الحر بمعهد الموسيقى العربية، حتى أصبح مدرسا لمادتي فن التجويد، وفن الإنشاد والمقامات الموسيقية في «مركز الحفني للدراسات الموسيقية»، الذي تتولي إدارته الناقدة الفنية الكبيرة د. رتيبة الحفني.

استطاع الشيخ الهلباوي أن ينمي قدراته المتمثلة في قوة الأداء وحسن الصوت وذلك بالدراسة الأكاديمية ليكون صاحب موهبة وخبرة علمية في ذات الوقت تؤهله لكي يكون أجدر المبتهلين في هذا الوقت، وصاحب أحد أهم فرق الإنشاد الديني في مصر، خاصة وإنه يجيد استخدام الموسيقى في الإنشاد، وربما تلحظ ذلك عند حضورك لأية حفلة يقوم بالإنشاد فيها، فالإنشاد الديني عنده لا تصاحبه موسيقى إلا الدفّ، أما استخدام الناي والعود فمحدود، ومهمته جذب أذن السامع، والأصل في الإنشاد الاعتماد على صوت المنشد.

موهبة ودراسة

ليس هذا فحسب، بل تساعده دراساته الموسيقية على اختيار اللحن بشكل يساعده على الإتقان والجودة في الأداء، وفي ذلك يقول: ليس هناك لحن ثابت، وإنما اختيار المقام المناسب للكلمة، فالصيغة اللحنية تكون على حسب الكلمة وبحر الشعر والقافية، لذا ليس هناك ملحّن لي، وإنما كل أعمالي من ألحاني، عدا ما أخذت من الرعيل الأول وعلى رأسهم الشيخ «علي محمود»، والشيخ «زكريا أحمد».

ورغم الرأي المحافظ الذي ينتهجه الشيخ فقد كانت له تجربة رائدة في الإنشاد عام 1998، حينما أنشد من التراث الصوفي على السيمفونية رقم 40 لـ «موتسارت» أثناء استضافته في مهرجان موسيقى «موتسارت» بأوبرا مرسيليا، وفي المقابل فإنه لا توجد مدرسة نظامية لتعليم أصول فن الإنشاد، رغم أن الشيخ «محمد الهلباوي» نادى أكثر من مرة بضرورة تأسيسها.

ولو من خلال برنامج تليفزيوني يلقن السامعين أصول الإنشاد الديني وطرقه، ومن ثم تعاني ساحة الإنشاد من ندرة الأصوات الجديدة الجيدة، نظرا لأن الإنشاد يحتاج لبراعة نادرة في التنقل بين المقامات، وموهبة في استخدام الصوت بين درجات أنغام المقام، وهذا ما يفتقر إليه جيل اليوم من الشباب إلا ما ندر.

خمسة أشكال

الإنشاد الديني وفق الشيخ محمد الهلباوي، هو ذلك الفن الغنائي، الذي يظهر في خمسة أنواع، أولها، الإنشاد الصوفي، وتكون الغلبة فيه لأشعار الفصحى، وهو لون من الإنشاد بدأ من 1400 عام، منذ بداية البعثة المحمدية، فعندما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة المنورة استقبله بنو النجار والأنصار بالقصيدة المشهورة «طلع البدر علينا»، وحينما كان المسلمون يشيدون مسجد «قباء» أول مسجد بني في الإسلام، كان الرسول يشاركهم عملية البناء.

وكان الصحابة يقولون: «لئن قعدنا والرسول يعمل .. فذاك منا العمل المضلل»، وعندما كان الصحابة يحفرون الخندق في غزوة الأحزاب، كانوا ينشدون كلمات الصحابي عبد الله بن رواحة: «اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا .. فأنزلن سكينةً علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا»، وكان مجلس الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ يشهد الشعراء، ومنهم كعب بن زهير وحسان بن ثابت وغيرهم.

وثانيها، التواشيح الدينية، مثل التي كان يقدمها الشيخ طه الفشني وبطانته، والبهتيمي وبطانته، وغيرهم من المبتهلين الذين يلقون هذه التواشيح الدينية، وثالثها، الإنشاد المنفرد، وهو الذي يسمي بالابتهالات الدينية، كتلك التي يقدمها الشيخ سيد النقشبندي، والشيخ نصر الدين طوبار.

وهو يعتمد على الارتجال الفوري أثناء إلقاء القصيدة، ورابعها، الغناء الديني، وهو ملحن من متخصصين في الألحان، ومن ذلك: الشوقيات مع أم كلثوم والسنباطي مثل «ولد الهدى»، وأخيرا والكلام للشيخ الهلباوي خامسها، المديح الشعبي الديني الموجود في جنوب مصر وشمالها في الدلتا، وعلي المنشد أن يتبع ويلم بكل الأقسام لتكوين ثقافته الدينية.

وكذلك للشيخ محمد الهلباوي رأي جريء في الجدل القائم بين اللغة الفصحى والعامية، حيث يري أنه من الممكن أن نفهم هذا الجدل في سياق مدي تذوق المستمع للفظ الفصيح، ومن ثم استخدامه له، ولا يمكننا فصل استخدام الشيخ الهلباوي للفصحى عن المناخ العام الذي تربت فيه ذائقة الشيخ، منذ الأربعينيات وحتى الستينيات، ذلك المناخ كانت الأغاني فيه تستعين بكلمات وقصائد فصيحة لكبار الشعراء، بينما تنتمي ثقافة «علي» لمناخ عام يسرف في استخدام العامية ويبتكر ألفاظ عامية جديدة قد لا يستسيغها الكبار.

مكمل الكلم

هكذا، فالنغم مكمل للكلم ــ كما يقول الشيخ الهلباوي ــ حلاله حلال وحرامه حرام، فإذا كان يبعث على رقي الأخلاق وتحسين علاقة الإنسان بربه ومن حوله من البشر؛ فهو حلال، أما إذا كان يبعث على تلبية غرائز الأرض وشهوات النفس والبعد عن الواجبات الدينية؛ فهو حرام.

يعد الشيخ محمد الهلباوي واحداً من القلائل الذين يحملون هموم الإنشاد الديني في مصر، حيث يحرص دائما على دعوة المسؤولين للارتقاء به ووضع الخطط والبرامج التعليمية؛ لتحقيق هذا الهدف، وإن كان يعلن مرارا وتكرارا أنه حتى الآن لا توجد أي خطط، ولكن علينا نحن كمختصين في الإنشاد مراجعة أنفسنا.