أكد د. أحمد فؤاد باشا نائب رئيس جامعة القاهرة سابقاً أنه بإمكان المسلمين أن يحققوا السبق والتفوق في تقنيات كثيرة مثل تقنية الزراعة واستصلاح الأراضي ومقاومة التصحر، والأدوية، وإعادة دراسة الأعشاب الطبية، والسياحة، بالاستفادة من التفوق الغربي في هذه المجالات، موضحاً أن هذا أمل من الممكن تحقيقه في الأمد القريب، إلا أن الأمر مرهون بوجود مراكز جادة للتدريب والتعليم الفني.

وأشار إلى أن العلم ميراث مشترك للإنسانية كلها، ساهم الجميع في صنعه على مر الأجيال والعصور، إلا أن إرادة الله شاءت أن تنتقل مقاليد الحضارة من أمة إلى أخرى، والتواصل والتفاعل الحضاري شرط أساسي لاستمرار الحضارة، حتى الحضارة المادية المعاصرة لا يمكن أن تضمن لنفسها الاستمرار بمعزل عن حضارات الأمم المجاورة، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.شدد د. أحمد فؤاد على أن التخلف أمر لا يمكن أن يتجزأ، كذلك الإصلاح لا بد أن يبدأ من التعليم، ولا يمكن أن يؤتي التعليم ثماره، إلا إذا حدث انسجام كامل بين عقيدة الفرد، وما يقدم له من معارف، ولا يمكن في ظل الازدواج التعليمي الذي يغلب على معظم الدول الإسلامية أن يتحقق هذا الانسجام، الذي تأخذ به كل الدول المتقدمة. وفيما يلي الحوار:

*دوما تتبنى وجهة النظر القائلة إن التفوق العلمي هو السبيل لإدراك التفوق بين الأمم، ما رؤيتكم في ذلك؟ ـ لحسن الحظ أن أمتنا الإسلامية مرت بتجربة حضارية رائدة قامت فيها النهضة العلمية على عوامل معروفة يأتي في مقدمتها تعاليم الإسلام الحنيف، واستخدام اللغة العربية، ونهضة حركة الترجمة، وتهيئة بيئة علمية صالحة للابتكار العلمي، سواء من حيث تكوين العقلية الإسلامية الرشيدة التي استطاعت أن تصطنع لأول مرة في تاريخ العلم منهجا علميا سليما تطورت بفضله كل العلوم الكونية التي نجني ثمارها اليوم.أو من حيث رعاية الحكام والمسؤولين لقضية النهضة العلمية والتعويل عليها في تحقيق التقدم الحضاري. وفي إطار ما سبق يمكن صياغة نظرية علمية جديدة قادرة على تطوير الواقع الإسلامي في إطار الضوابط الإسلامية.

نهضة علمية

*هل من الممكن أن نبدأ حركة علمية نهضوية في ظل ما يتوافر من إمكانات هزيلة؟

ـــ نعم، بإمكاناتنا المتواضعة للغاية من الممكن أن نحقق السبق والتفوق في تقنيات كثيرة مثل تقنية الزراعة واستصلاح الأراضي ومقاومة التصحر، والأدوية، وإعادة دراسة الأعشاب الطبية، والسياحة، مع استفادتنا من التفوق الغربي في هذه المجالات، وهذا أمل ممكن تحقيقه في الأمد القريب، إلا أن الأمر المهم في ذلك مراكز التدريب والتعليم الفني عالي المستوى.

*ماذا عن دعوتكم الخاصة بأسلمة العلوم؟

ـ أحذر من قضية الاختلاف حول المصطلحات، لأن هذه القضية دخيلة على الفكر الإسلامي من قبل الجهات، التي تحاول أن تشغل المفكرين بالشكليات على حساب الجوهر والمضمون، وهذه نزعة معروفة في الفكر الغربي باسم النزعة اللفظية أي الغرق في التيه اللفظي، فلا يجب أن نستسلم لها، فالهدف من الدعوة هو إيجاد حالة من التناسق والتناغم بين حياة الفرد والمجتمع وبين الثوابت الإيمانية الإسلامية، ومن ثم فأنا أطالب بأسلمة العلوم أي وضعها في إطار فكري قابل للتنفيذ العملي ومستمد من التعاليم الإسلامية، ونحن نريد أن نحذو حذو أسلافنا عندما اطلعوا على الحضارات الأخرى، فأخذوا منها ما يناسبهم واحتفظوا بخصوصيتهم الإسلامية، فحققوا التواصل الحضاري، والتفاعل بين الثقافات.

* لكن هذا يدعونا إلى سؤال آخر وهو، هل يمكن أن نقول إن هناك علوماً مسلمة وعلوماً غير مسلمة؟

ـ إن كل ما يكتشف من علوم هي قوانين موجودة في الكون منذ خلقه الله تعالى، واكتشاف هذه القوانين يجعله الله على أيدي من يشاء من عباده، ويبدو ذلك في قوله تعالى: «كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً»، فإن كان الاكتشاف على يد كافر فهو حجة عليه.

وإن كان على يد مؤمن زاده الله إيماناً، كذلك التعريف العلمي للعلم لا يقتصر على اكتشاف القوانين العلمية، بل القوانين موجودة قبل وجود الإنسان، ولكن العلم لا تكتمل رسالته إلى بعد الاستفادة من تطبيقات هذه القوانين العلمية وتوظيفها لفهم العلاقة بين الله والكون والإنسان، هكذا يأتي دور التوجيه الإسلامي للعلوم أو أسلمة العلوم، حيث أراد الله للعلم أن يكون نافعا لخير البشرية ولإعمار الأرض، فإذا حاد العلم عن هذا الطريق فإنه يحيد عن رسالته، ومن ثم يجب أن نعود به إلى طريقه السوي.

أسلمة العلوم

* لكن... كيف الحال وكل العلوم في هذه الآونة تأتينا من الغرب غير المسلم؟

ـــ هذا أمر أرفضه، فالعلم ميراث مشترك للإنسانية كلها، ساهم الجميع في صنعه على مر الأجيال والعصور، إلا أن إرادة الله شاءت أن تنتقل مقاليد الحضارة من أمة إلى أخرى، والتواصل والتفاعل الحضاري شرط أساسي لاستمرار الحضارة، حتى الحضارة المادية المعاصرة لا يمكن أن تضمن لنفسها الاستمرار بمعزل عن حضارات الأمم المجاورة، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها والتفاعل والتكامل مع الحضارات الأخرى لا يقلل من رسالة إسلامية المعرفة بل هو من أهدافها.

* تعريب العلوم، هو أمر دوماً تدعو إليه، فهل هو تكملة لخطط أسلمتها؟

ـــ بلا شك، تعد الترجمة مقدمة ضرورية لأية نهضة حضارية، وهذا ما فعله أسلافنا في عصر الحضارة الإسلامية، وهكذا فعل الأوروبيون في عصر النهضة الحديثة، وهكذا تفعل أية أمة تحاول النهوض من كبوتها، على نحو ما نجد في روسيا التي تدرس بالروسية، واليابان التي تدرس باللغة اليابانية، وإسرائيل التي تدرس بالعبرية، هكذا هذه القضية مفروغ منها، في حين أن اللغة العربية ترقى برقي أصحابها وتنحط بانحطاطهم.

ولكن لغة القرآن صالحة لأن تكون لغة العالمية مثلما أن الإسلام دين العالمية، وأية دعوة لإسقاط اللغة العربية كمقوم حضاري من شأنها أن تساعد على إبقاء الأمة زمناً أطول في مستنقع التبعية والتخلف، ثم ما هي اللغة التي ندرس بها اليوم، الدارس العائد من فرنسا يتحدث بعض الفرنسية والعائد من أميركا يتحدث بعض الإنجليزية، وتتوه اللغة في هذا الخضم.

أهمية التراث

*ما أهمية التراث العلمي بالنسبة لنا نحن العرب؟

ـــ للأسف الشديد، لا يزال هناك من يقلل ويهون من أهمية التراث، بل إن هناك من ينادي بالقطيعة مع هذا التراث، بزعم أن الماضي لا يفيدنا في حاضرنا، وأن الماضي كثيراً ما يكون مختلطاً بالأساطير والخرافات ومثل هذه الأمور، ويروج لهذه الدعوة كثير من مستشرقي الغرب، إلا أنه في الوقت الذي ينادي فيه البعض بأن التراث قضية ميتة، أرى أنها تفرض نفسها في هذا العصر، بدليل ان هناك مثل هذه الدعاوى التي تهون من دور الحضارة العربية الإسلامية، وينعكس هذا على عدم إنصاف العقلية العربية الإسلامية.

والتشكيك في قدراتها منذ رينان وغيره، وحتى كلما ظهرت بعض النجاحات التي تذكرنا بعصر الازدهار الأول على غرار زويل ومجدي يعقوب وعلماء المسلمين الذين يحصلون على جوائز عالمية، نجد أن البعض يتعجب، وكأن من عجائب الدنيا أن يأتي شخص له جينات عربية إسلامية ويحصل على هذه الجوائز، إذن القضية حية وتحتاج إلى من يتبناها ويدافع عنها، فهذا الرصيد الحضاري يجب أن يكون دافعا قويا لكي ننهض في حاضرنا.

الحضارة لا وطن لها

*لماذا يبدو جلياً أنه كلما يتحدث المستشرقون عن تاريخ العلم يركزون على الحضارة اليونانية والحضارة الأوروبية الحديثة فقط متجاهلين في ذلك دور الحضارة الإسلامية؟

ـــ بصراحة، يبدو جلياً أن هذا التجاهل هو جزء من صفات الجنس الآري، فالمفروض ان الحضارة لا وطن لها، وكل الأمم ساهمت في صنع الحضارات، وكل العقليات ساهمت في صنع الحضارات، لكن الترويج بأن العلم لا يمكن إلا أن يكون غريباً، وان عبقرية المكان لا بد أن تكون في أوروبا، كل هذا غير صحيح، لأنه لولا الحضارة العربية الإسلامية التي قامت ووضعت الأساس لهذه النهضة لظلت هذه المنطقة تعيش حياة بدائية حتى الآن.

فلقد حاول الغرب أن يدعم نظريته المزعومة في معجزة الجنس الآري بكثير من الدعاوى غير الحقيقية، بل إنه حاول ان يصطنع علوماً مثل علم الإنسان «الانثربولوجي» وعلم قياس الذكاء لكي يؤكد هذه التفرقة، بل ان بعض النظريات العلمية أسيء استخدامها أيديولوجياً وفلسفياً، مثل نظرية داروين ونظرية نيوتن ونظرية اينشتاين وغيرها.

لكن شاء الله سبحانه وتعالى أن يدحض العلم نفسه هذه النظريات التي قامت عليها المبادئ الإلحادية والدعوات، التي تستبعد الدين من دائرة التأثير، وبشهادة مؤرخين وفلاسفة من الغرب يبقى في النهاية أنه لا بد لهذه الحضارة من أن تصحح مسيرتها، وإلا فإنها ستحفر قبرها بنفسها على غرار ما قاله روجيه جارودي الذي انبثق من قلب هذه الحضارة وحاول تصحيح مسيرتها إسلامياً.

نهوض الحضارات.. المعادلة الصعبة

*دوما يكون نهوض الحضارات أمراً يستغرق مئات السنين إلا أن الحضارة الإسلامية كسرت هذه القاعدة، ما الأسباب التي وقفت وراء ذلك؟

ـــ كانت هناك كل مقومات النهضة العلمية المزدهرة، ولهذا ازدهرت الحضارة في وقت قصير، لأنها عرفت أقصر الطرق إلى النهضة السليمة، وحققت الحضارة العربية الإسلامية انتشاراً ودواماً لم تحققهما أية حضارة أخرى على مر التاريخ وأصر على تكرار هذه العبارة «انتشاراً» لأنها شغلت الجزء المعمور من الأرض في ذلك الوقت، و«دواماً» لأنها دامت لأكثر من ثمانية قرون، نجد الحضارة المصرية القديمة مثلاً قوية ودامت كثيراً، لكنها محدودة في منطقتها، أما الحضارة العربية الإسلامية فإنها قامت على الوسطية والتوازن وحققت المعادلة الصعبة: التوازن بين المادة والروح وبين المعنوي والواقعي، هذه الثنائية كانت تميز الحضارة العربية الإسلامية.

وقد عرفت الحضارة الإسلامية كيف تتعامل مع الحضارات المجاورة، وهذا ما نفتقده اليوم، فعرفت ماذا تأخذ وماذا تترك، وحققت النموذج الأمثل لحوار الحضارات، وتكاملها وتواصلها، إلا أننا الآن نعيش عصر الحضارة المغرورة والمنغمسة في المادية إلى أبعد حد، والتي نجدها تنادي بمبدأ الصراع وتتحدث عن الكوارث الطبيعية.

وهي أساليب لا تتفق مع المنهج الإسلامي، الذي جرب وصنع حضارة، أما هذه الآراء التي تظهر بين الحين والحين، فكلها صور من صور الاستعمار المباشر عن طريق الاحتلال أو الاستعمار عن طريق الاقتصاد كما نرى الآن، أو النظام العالمي الجديد أو العولمة، وكلها محاولات للهيمنة على الشعوب الضعيفة ومحاولة سيطرة تستخدم كل إمكاناتها الإعلامية والاقتصادية، بل والعسكرية على نحو ما نجده في منطقتنا هذه الأيام.

*لماذا يخشى الغرب نهوض الحضارة الإسلامية؟

ـــ الحضارة الإسلامية كانت مكتملة الأركان، ولهذا الغرب يخشى الآن من الصحوة الإسلامية، لانه يعلم أن الذي يستطيع ان يقف أمامه نداً قوياً هو الإسلام إذا ما طبق تطبيقاً سليماً، ولكن الأسف أن الأمة مرت بعد ذلك بعهود التراجع والانحسار، وابتعد المسلمون عن جادة الطريق، وحدث ما حدث لهم رويداً رويداً، إلى أن وصل بهم الحال كما نرى الآن.

وعليهم بحكم تعاليم الإسلام إذا كانوا مسلمين حقاً أن يعودوا إلى الطريق السليم الذي رسمه لهم القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة. وكل المقومات التي تساعد على هذه النهضة ما زالت قائمة، فلدينا الإمكانات المادية، فنحن امة تشغل مساحة كبيرة من الكرة الأرضية غنية بالثروات المائية والأرضية والجوية، تنتشر على مساحات كبيرة من الشواطئ والبحار، لا ينقصها إلا الإدارة، التي افتقدتها أيضاً خلال العصور الأخيرة، وإذا تحققت مع تحقيق التكامل بين إمكانات وثروات الأمة العربية والإسلامية، فلا شك أنها تستطيع ان تلحق بالركب.

وهذا ما يجعل الآخر دائماً يعمل على تفريق هذه العوامل، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

*وكيف يمكن الاستفادة من العقول الإسلامية المهاجرة إلى الخارج لخدمة ما نتطلع إليه من تقدم علمي؟

ـــ قضية العقول الإسلامية وقدرتها على الإبداع والابتكار كانت ولا تزال محل إنكار من جانب المستشرقين الذين اتهموها بأنها عقلية صحراوية لا تستطيع أن تكتشف أو تؤلف قوانين علمية، واجتهدوا في أسانيد مختلفة حسبوها علمية لاستنادها على ما يسمى بعلم الإنسان حتى يصدقها الناس، لكن حقائق التاريخ تثبت عكس ذلك تماماً، بدليل تهافت الدول المتقدمة على إغراء العقول الإسلامية والإفادة منها في مواقع حساسة جداً، قد تكون مغلقة على أهل البلاد أنفسهم.

وإذا كان الرباط بين هذه العقول وعقيدتها وبلادها ضعيفاً فإنها تستسلم لإغراءات الطرف الآخر المادية وتعيش في كنفه، لكن مسؤولية الإفادة من هذه العقول المهاجرة تقع أساسا على عاتق الهيئات المسؤولة عن رعايتهم في بلادهم الأصلية.

*وماذا عن أحوال جامعاتنا ومدارسنا؟

ـــ التخلف أمر لا يمكن أن يتجزأ، كذلك الإصلاح لا بد أن يبدأ من التعليم، ولا يمكن أن يؤتي التعليم ثماره إلا إذا حدث انسجام كامل بين عقيدة الفرد، وما يقدم له من معارف، ولا يمكن في ظل الازدواج التعليمي الذي يغلب على معظم الدول الإسلامية أن يتحقق هذا الانسجام، الذي تأخذ به كل الدول المتقدمة، ولا يمكن ترك النظام التعليمي الحالي ليجد مخرجاً بنفسه دون رشعاية وتوجيه من أولي الأمر.