تباينت مواقف المستشرقين بشكل كبير من الإسلام والمسلمين على نحو يصعب معه القول انهم اتخذوا موقفا محددا وإنما تراوحت مواقفهم ما بين الإنصاف والظلم بدرجة كبيرة وبين هذين الموقفين جاءت مواقف آخرين.
من بين المستشرقين الذين أنصفوا الإسلام المستشرق الهولندي هادريان ريلاند من خلال كتابه «الديانة المحمدية» حيث عرض طرحا منصفا للإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب، ففي تلك الفترة - القرن الثامن عشر- كان التحول في مواقف المستشرقين تجاه الإسلام والشرق إبان الثورة الصناعية وحركة التنوير الغربية التي ابتعدت كثيرا عن الأفكار والآراء الكنسية وأحكامها المسبقة عن الشرق عموما والعرب والإسلام على وجه الخصوص وكان دافعهم في هذه الفترة في الأغلب الأعم هو معرفة الشرق وسحره وغموضه في نظرهم ومهد الديانات والحضارات.
وفي المقابل فهناك من يرى أن الكثير من المستشرقين إنما وظف قدراته وأعماله لخدمة السياسة الاستعمارية ومن النماذج التي تقدم في ذلك الخصوص الدور الذي لعبه المستشرق الهولندي سنوك هوجرونيه في السياسة الاستعمارية الهولندية بأندونيسيا ودور المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون في خدمة الحكومات الفرنسية المتعاقبة كضابط في الجيش والمخابرات ودور المستشرق الأميركي برنارد لويس الذي وضع نفسه في خدمة الصهيونية وتبرير قيام دولة إسرائيل.
ورغم ذلك تجد هذه الرؤية من يعارضها ويشير إلى عدم صحتها تماما ما يعني أن المستشرقين لا يجب أن يوضعوا في سلة واحدة فهناك منهم من كان ضد الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي ومنهم على سبيل المثال المستشرق كايتاني الذي عارض بشدة الاحتلال الإيطالي لليبيا ومنهم من لم يشتغل بالسياسة مطلقا وهو الأمر الذي ينطبق على معظم المستشرقين الألمان الذين انكبوا على دراسة تاريخ الشرق وحضارته القديمة ولم تكن لهم مآرب سياسية لبلدانهم.
وإن كان ذلك لا ينفي لعب بعضهم دورا استعماريا كبيرا وهنا عودة إلى ذكر برنارد لويس نيشير إلى أنه يمثل بحق نموذجا عمليا على الدور الذي يمكن للمستشرق أن يلعبه في التأثير على سياسة دولته فقد عمل إثر انتقاله من بريطانيا إلى الولايات المتحدة مستشارا للجان الشؤون الخارجية بالكونغرس الأميركي مرات عديدة أصبح أحد كبار الأكاديميين والمعلقين في شؤون الشرق الأوسط.
وقد أكد على أهمية دوره أن الأفكار التي طرحها في كتبه في العقود الثلاثة الأخيرة كانت موحية لصانع القرار الغربي وتركزت بشكل عام حول استهداف إثارة مخاوف القراء من الإسلام وأهله. وأما علاقاته بقادة إسرائيل فأمر لا يخفى على أحد وفي هذا الصدد يشير الكثيرون إلى أنه صديق لعدد من رؤوساء الوزارة في إسرائيل.
ويكشف ذلك في التحليل الأخير عن المدى البعيد الذي تمثله ظاهرة الاستشراق والمستشرقين في صعوبة التوصل إلى موقف موحد بشأنهم وأنهم في مواقفهم بشأننا يمثلون ألوان الطيف، حيث تراوحوا ما بين الإنصاف إلى درجة اعتناق بعضهم الإسلام والعداء إلى درجة التأليب على العالم الإسلامي على نحو مريب.
