أتدرون ما الصوم أو الصيام، يا أولي الأفهام؟
أنا عند أهل اللغة وأربابها، مطلق الإمساك. فكل من أمسك عن طعام، أو كلام، أو سير فهو صائم. ولي شاهد في قول ربنا عز وجل على لسان مريم ابنة عمران: (إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً) «مريم: 26»: أي صمتا. وقولهم صام الفرس: قام على غير اعتلاف. ويجلو هذا القول شعر النابغة الذبياني:
خيل صيام وأخرى غير صائمة
تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وصام النهار صوماً إذا قام قائم الظهيرة واعتدل. والصوم بمعنى ركود الريح، ومصام الفرس، ومصامته: موقفه. والصوم: ذرق النعمامة لوقفتها عند ذلك، أو لسكونها بخروج الأذى: وهو من الإطلاق المجازي عندهم. والصوم: البيعة «كأنه بحذف مضاف: أي محل الصوم» وشجر في لغة هذيل. وأنا لدى أهل الاصطلاح إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص، بشرائط مخصوصة.
ومعنى هذا القول: الكف عن الأكل، والشرب، والجماع ما بين طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية التعبد لله تعالى. قال الله جل وعلا: (وكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) «البقرة: 187». وثبت رؤيتي إما برؤية هلال ليلة الثلاثين من شعبان عقب الغروب، إذا كان السماء خالية من موانع الرؤية، مثل غيم، أو دخان، أو غيرهما.
أو بإتمام شعبان ثلاثين يوماً إذا اعترض الأفق ما يحجب رؤيتي لقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته. فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً». أو برؤية الهلال بشهادة عدل معروف الديانة والأمانة. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت هلال رمضان، فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غداً».
