فاجأته المكافأة التي تلقاها من والده نتيجة تفوقه في المرحلة الابتدائية وهو يجتاز الصف الرابع منها، فما الذي يمكن أن يفعله صبي يخطو نحو العاشرة من عمره بمكافأة تعادل ما مقداره عشرة دراهم بعملة هذه الأيام؟!

عفواً... ثمة عنصر مهم يجب عدم إغفاله، ذلك هو عنصر الزمن، فنحن نتحدث عن طفل يعيش في النصف الثاني من ستينات القرن العشرين في بلد يتلمس طريقه نحو النهضة، بلد لم يعرف بعد المراكز التجارية، ولا صالات الألعاب، ولا أجهزة الجيم بوي والبلاي ستيشن، ولا الهواتف النقالة، ولا الإنترنت العابر للقارات، ولا أي شيء من وسائل اللعب والترفيه التي نراها حولنا اليوم.

لو وقع هذا المبلغ في يد طفل من أطفال اليوم لازدراه، لكننا أمام طفل يجد في يده فجأة مبلغا يعد ثروة بحساب تلك الأيام لمن هم في مثل سنه، فكيف يتصرف به؟ من المنطقي أن يتجه تفكير أي طفل في هذه المرحلة من العمر إلى شراء لعبة، ولكن أين هي تلك اللعبة التي تستحق أن يدفع فيها مبلغا كبيرا كهذا، وأكثر الأطفال كانوا يصنعون لعبهم البسيطة بأيديهم في ذلك الزمن؟!

صحيح أنه لم يكن يتوقع مبلغا كبيرا كهذا، لكن المفاجأة لم تفقده القدرة على اتخاذ القرار الذي ربما كان قد اختزنه في عقله قبل أن يتوقع مفاجأة سارة كهذه. لذلك أحكم قبضة يده على الورقة، واتخذ طريقه إلى تلك المكتبة التي طالما مر من أمامها وتوقف عندها طويلا متفحصا الكتب المعروضة في واجهتها.

لم يكن يشغل تفكيره طوال الطريق كيف سينفق المبلغ قدر ما كان يشغله أن يكون كافيا لشراء ذلك المجلد الكبير الذي يحكي واحدة من السير الشعبية الشهيرة التي طالما ألهبت مخيلته وهو يستمع إلى أجزاء منها يرويها الكبار في ليالي السمر، أو تحكيها لمن هم في مثل سنه الجدات قبل أن يغلب الأطفال النعاس ويسلموا أعينهم لسلطان النوم تاركين لأحلامهم الصغيرة إكمال الحكايات التي لم تكتمل.

يصل الصبي إلى المكتبة فينزاح عن صدره نصف الهمِّ بعد أن رأى الكتاب في مكانه، ويبقى النصف الآخر الذي عليه أن يواجهه بعد قليل. يعبر باب المكتبة، يحمل الكتاب ثم يتقدم نحو الطاولة التي يجلس خلفها صاحب المكتبة الذي لم يشعر بوجوده حتى تلك اللحظة:

- بكم هذا الكتاب يا عمي؟

يلفت السؤال انتباه صاحب المكتبة إلى أن ثمة زبونا بالمحل، لكنه زبون صغير السن ضئيل الحجم لا يكاد يظهر رأسه من خلف طاولة المكتب. يتأمل الرجل الكتاب والصبي قبل أن يسأله: وهل تستطيع قراءة كتاب بهذا الحجم يا بني؟

- أستطيع يا عمي، وإلا لما كنت أدفع مكافأة نجاحي وتفوقي كلها ثمنا له.

رد الصبي واثقا من نفسه ليبادره صاحب المكتبة سائلا مرة أخرى: وكم هي مكافأة تفوقك يا بني؟

فتح الصبي يده لتظهر الورقة النقدية التي بللها العرق لطول ما أطبقت اليد عليها. عندها ارتسمت ابتسامة على وجه الرجل الذي مد يده لأخذ الورقة ووضع الكتاب في يد الصبي قائلا له:

- اسمع يا بني، كان بإمكاني أن أعطيك الكتاب دون مقابل، مكافأة مني لك على حبك للقراءة والمعرفة، وكان بإمكاني أن أطلب منك ثمن الكتاب الذي هو أكبر من المبلغ الذي في يدك، لكنني سوف أعفيك من الباقي مكافأةً مني لك، وأكتفي بالمبلغ الذي معك كي تشعر أن للمعرفة ثمناً، خذ يا بني الكتاب واذهب بارك الله فيك.

خرج الصبي من المكتبة محتضنا الكتاب بينما كانت كلمات الرجل تتردد في أذنيه وتستقر في وجدانه. من يومها تعلّم أن للمعرفة ثمنا.

aliobaid2000@hotmail.com