«ولدت في بلد، وأبي من بلد، وأمي من بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد.. فلأي هذه البلدان أنتمي؟!» هكذا وصفت الأديبة العربية مي زيادة نفسها، وكأنها تقول معنا: إنها أديبة بلا حدود. في تاريخ الحياة الأدبية المصرية والعربية عموماً، تحتل مي صفحة زاهرة حافلة، شغلت معظم سنوات العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين.

كانت شاعرة وأديبة مبدعة، وموهبة ذات طاقات خلاقة، توهجت وأسهمت أجل إسهام في إضاءة طريق النهضة أمام المرأة العربية، وفي إثراء الحياة الأدبية بعامة، حيث تحلّق حولها ألمع نجوم الأدب وأعلام الفكر والثقافة، في مشهد نادر في التاريخ الأدبي قديمه وحديثه.ومع ذلك، فإن حياتها تحولت ـ وهي في أوج تألقها ــ إلى مأساة حزينة، لم يضع حدا لعذابها فيها سوى الموت، فانطوت بذلك صفحة مثل رائع في الطموح والثقافة وخدمة رسالة الأدب من أجل قيم الحق والخير والجمال والمحبة، والألم أيضا، وكأنها بطلة قصة رومانسية من قصص الدموع والمآسي. في عام 1886, وفي بلدة الناصرة في فلسطين ولدت ماري زيادة، التي اختصرت أسمها بالحرفين الأول والأخير فعرفت واشتهرت بــ «مي».

كانت أسرتها «بلا حدود»، فأبوها من إحدى قرى جبل لبنان، وأمها من الجليل بفلسطين، وهما من مذهبين أو طافئتين مختلفتين. وفي فلسطين بدأت مي تعليمها، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى مدرسة للراهبات في لبنان في عين طورة، ثم إلى أخرى للراهبات في بيروت. وأخيراً عادت إلى الناصرة في فلسطين. في تلك المدارس حصلت مي ألوانا شتى من المعارف، في اللغات والأدب والموسيقى والدين والفلسفة والثقافة العامة، وكان من أبرز ما ترعرع في نفسها: سماحة الفكر، وموهبة الأدب والشعر، والاهتمام بأحوال المجتمع.

وفي عام 1908 ارتحلت مع والديها إلى مصر، حيث أصدر والدها جريدة المحروسة، وعملت هي بتدريس اللغة الفرنسية لدى بعض الأسر الكبيرة.على اتساع ثقافتها ومعرفتها باللغات الفرنسية والانجليزية والايطالية والألمانية، كان نصيبها من العربية قليلاً، فأقبلت تتعلمها وكان حظها أن أرشدها في هذا السبيل المفكر والأديب الكبير أحمد لطفي السيد، بل راح بنفسه يشرح لها أصفى مناهل العربية وهو القرآن الكريم، ويدلها على آيات البيان المعجز فيه.

ولما افتتحت الجامعة الأهلية في مصر، التحقت بها مي، وتوفرت على دراسة الآثار والتراث العربي الأدبي والفلسفي. ولم تمض ثلاث سنوات حتى تضلعت من علوم العربية وآدابها، وراحت تنشر إبداعاتها التي لفتت إلى مواهبها الأنظار.

كان أبرز ما اتسمت به كتاباتها هو تلك الآفاق السامية حلقت فيها، فهي لم تبدد موهبتها في ضباب التعبير عن همومها الصغيرة الذاتية.

وإنما حشدت طاقاتها استنهاضا للإنسان والشرق، وتبشيرا بقيم الحق والخير والجمال والتسامح والحرية تقول في إحدى مقالاتها: «يا شرقي الكبير الرهيب الرؤوف إنك لتتجمع تحت بصري كلوحة مصورة، فأرى منك الفقر والجهل والاضطراب والاحتدام والانفعال. ربوعك خالية مما لدى الأقوياء من صروح ومعاهد ومصارف ومعامل. ها قد جاء وقت النهوض. أنت برج الفجر فقم واعمل، وارقب من أي أنحائك يلوح مشعل الضياء..».

وراحت مي تنشد للحرية، وتجاهد من أجل حقوق المرأة العربية في المساهمة في خدمة الوطن وبناء الحياة الجديدة، وكانت مقالاتها وخطبها وكتبها من بعد، مرآة لوعيها المستنير الناضج وثقافتها الواسعة، ومشاعرها النبيلة الصافية: «.. النبات حرّ، فلماذا لا يكون الناس أحراراً.

العبودية مقيتة، والتمرد نبيل يدل على القوة والحياة، فما الخلل الذي نراه في تربيتنا إلا أننا جميعا عبيد الجهل المقيم والضغط القديم. كيف نوفق بين النقيضين؟ بين التساهل في قبول العادات الأوروبية المتفشية بيننا، وبين الاستعباد الشرقي الراكد في مستنقعات نفوسنا؟ أول قواعد التهذيب معرفة الواجب. وشرط معرفة الواجب الشعور بالحرية..».

في القاهرة، تعرفت «مي» وأسرتها إلى صفوة رجال الفكر والأدب من مصر والأقطار العربية والمستشرقين، الذين كانت الكنانة عامرة بهم في عصرها. وفي صالون بيتها بشارع عدلي في قلب القاهرة استقبلتهم، ونظمت ملتقى أسبوعياً كل يوم ثلاثاء، يلتقون في رحابه، في ندوة فريدة لم يشهد التاريخ الأدبي لها مثيلا في غناها بالثقافة والمثقفين.

لم تكن أحاديث صالون «مي» عبثاً وتسلية، وإنما كانت مناقشات في الأدب والفلسفة والاجتماع. تقودها وتديرها «مي» فتضفي عليها من حسنها بهاء، ومن لباقتها وذكائها ثراء. ويندر أن نجد اسما من أعلام عصرها لم يسعد بمجلسها.

كان من رواد صالون مي: شوقي وحافظ وإسماعيل صبري ويكن وخليل مطران وأنطوان الجميل ، والعقاد وطه حسين والرافعي والمازني ومصطفى عبدالرازق وعلي عبدالرازق ويعقوب صروف وشبلي شميل ولطفي السيد ومنصور فهمي وسلامة موسى ورشيد رضا وأنستاس الكرملي وماسينيون وأحمد زكي وشيخ الخطاطين نجيب هواويني، وأمين الريحاني.

وللمرء أن يتخيل ماذا يمكن أن يدور بين هذه العقول الفذة من حوار ومناقشات، ومدى الفائدة التي جنتها مي منها. لقد كانت ندوتها مدرسة غنية بألوان الثقافة، ومنهلا ثرا متجددا، أثر فيها كما أثر فيها، على حد تعبيرها: النظر إلى جمال الطبيعة، والقرآن الكريم بفصاحته الرائعة، والحركة الوطنية المصرية التي أسرعت بتطورها الفكري.

من تجليات فكرها ومواقفها، يؤثر لمي دفاعها الباسل عن اللغة العربية في مواجهة أنصار العامية، ووصلت حماستها للغتها إلى التنديد بكل من يتشدق باللغات الأجنبية من الطبقات المترفة، وصرحت على أن يكون حديثها دائما بالعربية، وكثيرا ما كانت تحاور بعض من يتحدثون إليها بالفرنسية أو الانجليزية، فترد عليهم بالعربية.

في محاضرتها الشهيرة بالجامعة الأميركية بالقاهرة سنة 1932, كان مما قالت دفاعا عن اللغة: «اللغة الفصحى يجب أن تبقى دائما الحصن الألمع الذي نحتمي فيه جميعا، والرابطة النفسية الغالية التي تجمع بين أهل الأقطار المتباعدة، والصيغة الجميلة الحية التي نودعها مكنونات العقول والقلوب جيلا بعد جيل، حتى انتهاء الدهور».

في أجواء الندوة، ومع ما يسري ويشع فيها من حسن وبهاء وذوق رهيف كان طبيعيا أن تخفق قلوب بحبها، وأن تعبر عن هذا الحب بحرارة. وهذا انتظم في عقد فريد من كبار الأدباء الذين أحبوا مي.في مقدمة من أحبوها، وبادلتهم عاطفتهم، الأديب الشاعر الكبير عباس العقاد، الذي كتب سعيدا بمولد حبهما، فلما لم يقدر له الدوام، كتب يتحسر ويرثيه:

ولد الحب لنا، وافرحتاه

وقضى في مهده وا أسفاه

مات لم يدرج ولم يلعب ولم

يشهد الدنيا، ولم يعرف أباه

ليته عاش، فأما إذا قضى

فليكن بردا على القلب جواه.

أما «مصطفى صادق الرافعي» الذي كان يأتي إلى الندوة من مدينة طنطا التي كانت محل إقامته، واشتعل حب طاغ في قلبه، حداه إلى إبداع رسائل أدبية من النثر الفني البديع نشرها في كتبه: أوراق الورد، رسائل الأحزان، السحاب الأحمر، آخرون أحبوا بعنف، لكنهم كتموا حبهم، بعضهم قال أبياتا دالة، وبعضهم ترك الحب يفصح عن نفسه في بريق عيونهم، وأثناء كلامهم، وتجليات مشاعرهم.

لكن مالا يختلف عليه، أن حبا عميقا برعم وتفتح في قلب «مي» وقلب شاعر لبنان المهاجر بعيدا «جبران خليل جبران» وكم تمنت «مي» أن تلقاه، وكم دعته إلى الحضور إلى مصر: «تعال وزرنا في هذه المدينة القاهرة. فلماذا لا تأتي وأنت فتى هذه البلاد التي تناديك. تعال، فأشعة القمر تنير الرمل حول أبي الهول، وتمرح في موج النيل. تعال يا صديقي، تعال، فالحياة قصيرة، وسهرة على النيل توازي عمراً حافلا بالمجد والثروة والحب..».

لكن الحب بين «مي» و «جبران» حالت دون اكتماله المسافات ومرض «جبران» ثم وفاته سنة 1931، فكان ذلك القشة التي قصمت ظهر البعير. لأن مي كانت قد دخلت في نفق مظلم من الأحزان والاكتئاب، لوفاة أبيها 1930، ثم أمها من بعد وفي محاولة للخروج من ذلك النفق لجأت «مي» إلى السفر والترحال، فتسافر إلى فرنسا، ثم تنتقل إلى انجلترا، ثم تعود إلى بيتها في مصر.

لكنها لا تجد راحة فتعود إلى السفر إلى إيطاليا حيث تلقى بعض محاضرات في جامعة «بروجيه» عن آثار اللغة الإيطالية، ثم تعود إلى مصر حيث يلح عليها السفر مرة أخرى إلى إيطاليا. وأخيراً تعود منهكة الروح والقلب إلى مصر. وخلال هذه الترحال كانت تغرق أحزانها في القراءة والكتابة، ونشر بعض كتاباتها في كبريات المجلات، مثل «الرسالة».

في عام 1935، سافرت مي إلى بيروت لتستعين بطبيب قريب لها في معالجة اكتئابها وتدهور صحتها، وكان ذلك بداية محنة رهيبة، فقد تآمر قريبها مع أطباء «العصفورية» وهي مستشفى الأمراض العقلية ــ بهدف الاستيلاء على أموالها. ودامت المحنة نحو سنتين، أثارت خلالها الرأي العام حتى أفرج عنها، وانتصرت، وتجلى انتصارها في محاضرة رائعة ألقتها في الجامعة الأميركية سنة 1938 لكنه كان نصرا بلا متعة، عادت بعده حزينة يائسة إلى بيتها في القاهرة. كان كل يوم يمر بها يزيدها انطواء على نفسها، ويذبل فيها إرادة الحياة، حتى صارت لا تستقبل أحدا سوى القسيس.

وفي ضحوة التاسع عشر من أكتوبر سنة 1941، أسلمت مي روحها المعذبة، وأوت إلى حضن الثرى الذي أحبته ومنحها كل جميل وتألق وإبداع في حياتها، في مدفن من مدافن القاهرة إلى جوار والديها الحبيبين، وكم كان أحرى أن يحفر على قبرها الكلمات التي كانت قد كتبتها في أحد أعمالها: «هذا قبر فتاة لم ير الناس منها غير اللطف والسمات، وفي قلبها الآلام والغصات. عاشت، وأحبت، وتعذبت، وجاهدت، ثم.. قضت».

عبد الوهاب قتاية