الإسلام بوصفه ديناً يقوم على رسالة مهمة وعقيدة ثابتة ألا وهي حرية الاعتقاد فهو أول دين ينادي بالتعددية ويترك الحرية لكل ذي لب كيما يكون مسؤولاً عن أفعاله، لقوله تعالى: «وأن ليس للإنسان إلا ما سعي وأن سعيه سوف يرى» النجم (39 ـــ 40) فالله تعالى كلف الإنسان وأعطاه عقلاً ليميز به بين العمل الصالح والعمل الطالح، فالعلاقة بين الإنسان وبين الله ثم الكون ثم المجتمع الآخر أسسها الإسلام على أساس من الحرية التامة المقترنة بالمسؤولية.
فهي شرط لصحة الإيمان وشرط لصحة كل الاتهامات التشابكية في المجتمع، فهل بعد ذلك يأتي اليوم من يتهم الإسلام؟ أم أن الاتهام راجع إلى العداء القديم والحديث للإسلام من قبل الغرب الذي يتشدق كل حين وآخر بشعارات الحرية بأنه دين يعادي الحرية، وهو افتراء الإسلام منه براء.المفكر الإسلامي د. محمد عمارة يرى أن الحرية هي المقابل المناقض للعبودية.
والحر: ضد العبد والرقيق، وتحرير الرقبة عتقها من الرق والعبودية، فالحرية هي رخصة الإباحة التي تمكن الإنسان من الفعل أو الترك، المعبر عن إرادته التي هي شوق إلى الفعل أو الترك في أي ميدان من ميادين الفعل وبأي لون من ألوان التعبير الحر، وفي المصطلح القرآني مقابلة بين الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثي بالأنثي وكما أن الحر هو الخالي من القيود المادية والقانونية التي تحد من حريته، فهو أيضا المتحرر من سلطان الصفات والعادات الذميمة لأنها تستعبد صاحبها.. وفي القرآن الكريم «رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً» «آل عمران:35» أي حراً معتقاً من أمر الدنيا والحرص على شهواتها، ولما كان الإسلام في جوهر رسالته هو إحياء للإنسان يحرر ملكاته وطاقاته من استعباد الطواغيت، فيجعل هذه الكلمات والطاقات خالصة لله سبحانه وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» الأنفال: 24, كانت رسالته في العقيدة والشريعة تحرير الإنسان.
وذلك حتى تحرر فيه هذه الملكات «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم». الأعراف: 157.فجميع أحكام شريعته تحرير، حتى عندما تحرم الخبائث، لأن اجتناب هذه الخبائث تحرير للإنسان من العبودية لها.ويخلص إلى أن كل الإسلام إحياء بالحرية يضع عن المؤمنين به القيود والأغلال، وينمي ويزكي الملكات والطاقات الخيرة، لتتغالب وتتغلب على القيود والأغلال فتصبح قمة العبودية لله وحده هي ذروة الحرية والتحرير للإنسان فالحرية في الفطرة الإسلامية ضرورة من الضرورات الإنسانية وفريضة إلهية. وتكليف شرعي واجب وليس مجرد حق من الحقوق الإنسانية يجوز لصاحبها أن يتنازل عنها إن هو أراد، فالحرية في الإسلام هي ضرورة إنسانية لمطلق.. الإنسان وليس للإنسان المسلم وحده، لقد أراد الله للناس الهدى والإيمان.. لكنه جعل لهم مع هذه الإرادة الحرية والتخيير والتمكين .. فكان انتصار الإسلام للحرية الإنسانية في كل الميادين.
فطرة الحياة
يؤكد د. عبد العظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف أن الإسلام ليس مذهبياً فكرياً ولا سياسية، لا اجتماعياً، لا فلسفياً، إنما هو الله خاتماً لرسالاته جميعاً، صانعه هو الله لا البشر، والله عز وجل صاغ الإسلام صياغة عادلة حكيمة، تقرر على الناس واجبات، وتجعل لهم حقوقاً دون أن يحابي أحداً على أحد، وهو غني عن العالمين، لا تنفعه طاعة من أطاع ولا تضره معصية من عصى.
ومن أعظم المنح التي منحها الله لعباده في هذه الدنيا هي تحريره من التبعية لغير الله، أعني أن منحه حرية مناسبة لدوره في الحياة، لأنه بدون هذه الحرية لا يصلح لأداء الرسالة التي من أجلها خلقه الله عز وجل، وفي منح الله الحريات للبشر راعى فيها جوانب تهذبها وتعلي شأنها، فهي حرية ليست مطلقة، وإلا صارت الحياة فوضى أشبه ما تكون بحياة قطعان الأنعام.
ويمكن أن نقول إن كل فرد في المجتمع الإنساني له %50 من الحرية، أما الـ %50 الأخرى فهي للإنسان الآخر الذي يناظره في الحقوق والواجبات، إذا فهمنا الحريات على هذا الأساس سارت الحياة سيرة طيبة، أما إذا فهمنا الحريات على أن الإنسان يفعل ما يشاء لأدى هذا الفهم إلى التصادم والتنازع بين البشر، وكثرت المنازعات والخصومات وعم البلاء وطنه.
ويشدد على أن الحريات التي منحها الإسلام للإنسان هي التي تحتاج إليها فطرة الحياة وهي الحريات في مجال العقيدة والشعائر الدينية، الحريات في مجال العمل في الدنيا، الحريات في الأنواع التي يمتلكها الإنسان ما لم تكن ضارة لا نفع فيها، الحريات في المقدار الذي يمتلكه الإنسان، الحريات في مجال التصرف فيما يملك، الحريات في مجال الشؤون الشخصية التي يمارسها الإنسان كالزواج والصداقات وغيرها، هذه هي الحريات في الإسلام، الإنسان فيها لا سيد له إلا الله.
وكل من على الأرض بعد ذلك أنداد له ومناظرون، ولا سلطان لغير الله عليه، فهل يعقل أن يقال ــ بعد ذلك ــ أن الإسلام يعادي حريات البشر، وهو أبوالحريات كلها، شرعها وهذبها وجعلها خيراً كلها، وحفظ بها دم الإنسان وجسده وماله وعرضه وأمنه وسلامه، إذا صح القول إن الشمس مصدر الظلام في الكون صح أن يقال إن الإسلام يعادي الحريات «كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً».
معنى الحياة
وتشير د. آمنة نصير الأستاذة بجامعة الأزهر إلى أن الحرية في الإسلام هي معنى الحياة ذاتها ولو سحبت الحرية من الإنسان لأصبح في عداد الموتى، والحرية الإنسانية في الإسلام بالمعني الفردي والجماعي والاجتماعي من الضرورات، والحرية في المفهوم الغربي هي أن تكون للإنسان الخيرة في أن يفعل ما يريد بشرط عدم الإضرار بالآخرين.
أما ما يليق بالتعريف في المفهوم الإسلامي: أن الحرية هي إرادة الإنسان وقدرته على ألا يكون عبداً لغير الله، ومن المؤكد أن الحرية الشخصية أصل الحريات الأساسية لأنها تتعلق بنفس الإنسان وبصميم كرامته، ويضيف: ذلك كله وما يتعلق به أساس حياة الإنسان ومصدر قيمته كإنسان أو كفرد وسبب تقدمه نحو المثل العليا الإنسانية ومن ضمن الأمثلة حرية الرأي، ففي المسائل الدينية يكفل الإسلام حرية العقيدة.
والحرية الشخصية وتتضمن حق الأمن «فلا عدوان إلا على الظالمين» البقرة: 193، وكذلك حرية التنقل فمكفولة للجميع والنفي والأبعاد هو عقوبة في حالة واحدة «الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً» المائدة : 33، وحرمة السكن، وحرمة النفس وحقها في الحياة فمنع قتل الغير بدون حق، كما منع قتل النفس بالانتحار «ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق» «الأنعام: 151» والحرية السياسية متوافرة وإبداء الرأي والمعارضة في الكثير من المواقف.
وحرية الفكر والتفكر من المقدسات في الإسلام، وقد عرفت الساحة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها العديد من أصحاب الفكر والرأي وأهل الحوار سواء اختلفوا أم اتفقوا، حرية الأرقاء: لقد ظهر الإسلام في مجتمع تعددت فيه جنسيات الأرقاء، زنجا وروما وفرساً وفوق هذه تعددت المصادر والروافد التي جعلت زيادة الأرقاء مستمرة مثل الحروب القبلية والفردية، هذا الزخم العظيم من الأرقاء واجهه الإسلام وحرر فيه الإنسان فالحرية في الإسلام هي الأصل.
نظام قائم
ويوضح د. عبدالمعطي بيومي الأستاذ بجامعة الأزهر أن بعض الناس قد فهم خطأ أن الحرية تحرر لا يعتد بعرف جار ولا بنظام قائم، وانطلاقاً لا يبالي بآداب معروفة وقوانين موضوعة، وهذا الفهم الملتوي يشوه الوجه الجميل للحرية، إن الفهم العقيم للحرية نضح النفوس المريضة بالأنانية وحب الذات واتباع الهوى الذي يضل به الإنسان ويهوي به إلى درك الحيوان، قال تعالى: «أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أن يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً» «الفرقان: 44-43» ألا فليعلم كل إنسان أن الحرية مقيدة لصالح الفرد ولصالح المجتمع على السواء.
ويذكر أن الضوابط التي تحكمها ترجع إلى الدين بأمره ونهيه ونظمه وقواعده وإلي عدم المساس بحقوق الآخرين التي أقرتها الأديان ونظمتها القوانين، فهو في اعتقاده وفكره لا يجوز له أن يعتنق عقيدة باطلة ولا أن يدين بمذهب هدام، لأن ذلك سينعكس على سلوكه ويتحكم في تصرفاته.
وهو في قوله وتعبيره لا يجوز له أن يجرح الشعور أو يهتك الستر أو يشيع الفاحشة أو يثير الفتنة أو ينشر الفوضى، وهو في تصرفه الشخصي الخاص مقيد في مأكله ومشربه ومتعته وزينته، فحين أحل الله الطيبات قال «ولا تعتدوا» وحين أحل الأكل والشرب قال «ولا تسرفوا»، وحين أحل للمرأة أن تتزين حدد لها مواضعها وبين لها معالمها.
ويخلص إلى أنه كذلك الإنسان في تصرفه الاجتماعي مقيد يمنع الضرر عن الآخرين ويجمع ذلك كله قول الرسول الكريم «لا ضرر ولا ضرار» ألا فليعلم كل إنسان أن تقييد حريته لطف به وإشـــفاق عليه، فالآداب والقـوانين صمام أمام يقي الأخطار ويصون.. والأديان السماوية ليست عبئاً ثقيلاً يقيد الحريات بقدر ما هي تنظيم للسلوك وتخطيط واضح لمعالم الطريق، فالدين لا يحارب الغرائز، ولكن يهذبها ويروضها وهو لا يقضي على النزعات الإنسانية ولكن يسمو بها بحريتنا في إطار الدين والآداب نسعد وتسعد بنا الحياة.



