لا يستطيع أحد أن ينكر ضغط الحياة الكبير لاسيما مع تزايد تعقيداتها، سواء من ناحية العمل أو العلاقات الاجتماعية التي تتأثر بطبيعة الحال بالمشاكل الحياتية المختلفة من سياسة وصحة ومادة، ما يتطلب من العاملين التركيز المطلق في العمل وإثراء علاقاتهم الاجتماعية بمختلف أشكالها.
وفي ظل هذه التعقيدات يلجأ العاملون للخروج من دائرة هذه الضغوطات عبر ممارسة هواياتهم التي تخفف من عبء الحياة اليومي، حيث تفرغ هذه الممارسات المحببة الطاقات المكبوتة بفرح وانسجام يهيئان للفرد مواجهة الحياة بمرونة وقوة أكبر.وإذا كانت الهوايات راحة بال لممارسيها فكيف هي إذا كان من بينها التحليق عبر ابتكار الوسائل والأجهزة التي تساعد على الطيران في السماء، وهذا الأمر عكس براعة محمد أحمد أبوالريش الذي لطالما لفت انتباهه كل ما يخرج عن نطاق الجاذبية الأرضية ويحلق في الهواء مخترقاً السماء عالياً فوق السحاب بمختلف أشكاله وأصنافه.
طفولة مفكرةيقول أبوالريش إن فكرة الطيران راودته منذ الصغر من خلال التدقيق في آلات الطيران، ومحاولة استنتاج كيفية عملها ثم تطبيقها بصورة بدائية مناسبة لمرحلته العمرية الصغيرة.
وعن أول تجربة للطيران يذكر أنه كان يجمع أبناء الحي وأمهاتهم في محاولاته الانطلاق طائراً، حيث ركب فوق إحدى الأسوار وهو في سن الثانية عشرة، بعد أن صنع برشوتا في محاولة منه للطيران والتحليق قدر الإمكان، إلا أن هذه التجربة فشلت «لكنها لم تخلف أضراراً جسدية جسيمة » لقصر مسافة الهبوط وعدم اكتمال الفكرة. ويؤكد أبوالريش أن هذه التجربة لم تنته حيث عاود الكرة بعد ذلك، إلى أن استطاع تحقيق نجاحات في التجربة، بعد أن أصبح يصنع ويعيد صناعة آلات الطيران المختلفة.
ابتكار ولكنويشير محمد إلى أنهم في الحي القديم الذي سكنه منذ زمن لقبوه بــ «مخترع الحي» لميوله الواضحة في الاختراع، بل والاستفادة من هذه الاختراعات وابتكار البدائل والحلول، وهذا الأمر هو الذي أخلى منزله من العمال والكهربائيين بصورة ما حالياً، حيث يدفعه الفضول والتدقيق إلى استكشاف طريقة عملهم سواء في تركيب الإضاءة أو تصليح الأجهزة الكهربائية، ثم يقوم هو بالأمر بكفاءة معززة من دراسته الهندسية.
ويعود أبوالريش ويتذكر أنه كان مولعاً في صغره بابتكار الأدوات التي تساعده في اللعب، خاصة أنه لم يكن مولعاً بالألعاب الرياضية والجسدية، وقد استفاد من هذه الاختراعات البسيطة ببيعه بعضها أحدها كالقوس المصنوع من غصن شجرة السدر الموصول برباطة مطاطية تستخدم لعجلات الدراجة، لأحد أبناء الحي بسعر درهم ونصف، كما صنع عكازين عاليين كاللذين يستخدمها أبطال السيرك في عروضهم، مصنوعين من الخشب.
الحاجة أم الاختراع ويرى المهندس الكهربائي أن توجهاته وهواياته في الاختراع قد عززتها الحاجة بالدرجة الأولى، فمن جهة اختراع وصنع آلات الطيران بدأ الموضوع بشراء الطائرات، ثم محاولة إصلاحها بصورة دائمة دون الرجوع إلى أحد من خلال قراءة الكتب عنها والملاحظة، إلى أن تمكن من الأمر ما دفعه لمحاولة صنع آلات مشابهة.
ويضيف أن الحاجة أيضاً دفعته لإضافة تعديلات في صناعة الطائرات التي كانت تعمل على طاقة البطارية الكهربائية، من خلال استبدالها بطاقة البترول، لإضافة متعة في عملية الطيران، فطاقة البطارية الكهربائية تتصف بأنها حين تضعف تبطئ من سير الآلة وتضعف بالتدريج ما يعرض الطائرة للكسر، بينما طاقة البترول تستمر لساعات ولا تتدرج إضافة لقوتها الكبيرة.
ويذكر محمد أن الحاجة أيضا دفعته إلى اختراع أجهزة تساعد أسرته، فقد ابتكر جهازاً لخزان المياه يستطيع أن يبين حد الماء في الخزان بالدرجات الدقيقة، وذلك من خلال عمود خشبي ملحق بجهاز يوضع على الخزان ويعلو وينخفض العمود على حسب عمق الماء، ويترتب على هذه الحركة تسجيل علو الماء في مقياس مصنوع من الأضواء موصول عبر الأسلاك إلى داخل البيت ويعمل بطاقة البطارية.
تخطيط مستقبلي
ويعترف أبوالريش بأن انشغاله في عمله وحياته الأسرية خاصة في تربية أبنائه، لم يترك له وقتاً كبيرا لممارسة هواياته، فصناعة طائرة يحتاج من العمل إلى خمسة أيام متواصلة ومجموعة من التجارب لحين نجاحها، كما أن اختراعاته الأخرى تحتاج منه وقتا للتفكير، فحين تخطر في باله فكرةً ما يستغرقه التفكير بها ما بين ستة أشهر إلى سنة تفكيراً وتمحيصاً بكافة تفاصيلها لحين البدء الفعلي في عملها.
ويخطط محمد لأن يكون وقت تقاعده وقتاً مثمراً، فيتفرغ لهواياته المحببة كالاختراع وصناعة الأجهزة، والقراءة التي يحبها كثيراً، إضافة لإعطاء وقت أكبر لتطبيق أفكاره في برامج كمبيوتر قام بدراستها وإدخالها في الأعمال المختلفة.
وعن نيته في الحصول على براءة الاختراع لبعض مخترعاته المختلفة سواء في الطائرات الصغيرة فقد قام باختراع طائرة تجمع بين جسم البرشوت وجناح الطائرة وجعله متحركا، وأضاف جزئية تقوم بثني وفرد الجناح لتسهيل الطيران والهبوط ، فأبوالريش لم يفكر في هذا الأمر جدياً لانشغاله، إلا انه يؤكد على نيته المستقبلية في التفكير بالأمر، وكذلك الحال بالنسبة لتسويق منتجاته من الطائرات التي تباع الطائرة الواحدة منها بمبلغ ثلاثة آلاف درهم.
رمضان شهر العائلة
يذكر مهندس الإلكترونيات محمد أبوالريش أن رمضان بالنسبة له شهر عائلي يحبذ قضاءه في منزله بين أبنائه، حيث يحثهم على أداء الفرائض الدينية، ويتناول طعام الإفطار معهم في أغلب الأوقات، كما يفضل الطعام الخفيف في إفطار رمضان، ويحب وجبة اللقيمات «لقمة القاضي»، ولا يكثر عادة من طعام الإفطار الذي يكون خفيفاً، إلا انه بعد انتهائه من صلاة التراويح، يتوجه لمنزله حيث يبدأ وليمته الدسمة في الطعام.
ثقة واستقلالية
يقول أبوالريش إن هوايته في اختراع الأجهزة خاصة الطائرة تعطيه شعورا كبيراً بالثقة بالنفس والاستقلالية، كما أضافت له بعداً جديداً في عمله وهو الخيال الذي يساعده في إيجاد الحلول والتسهيلات من خلال التدقيق في التفاصيل والتفكير المتعمق.
رباب جبارة



