تظل كل محاولة لرسم صورة بانورامية لحياة مسلمي بريطانيا بعيدة عن الحد الأدنى من التكامل ما لم يتم التعرض لجانبين محددين لا يفتقران إلى الصعوبة ولا التعقيد، الجانب الأول يدور حول المشاركة السياسية لمسلمي بريطانيا ومدى فعاليتها وتأثيرها في حياتهم وحياة المجتمع البريطاني عموما، والجانب الثاني، هو مدى التوفيق الذي كللت به محاولات المسلمين لتجاوز العراقيل والمشكلات التي يواجهونها في مختلف مراحل النظام التعليمي البريطاني، وهي عراقيل ومشاكل ليست بالهينة ولن تختفي بالتأكيد من تلقاء ذاتها، كما أنها تنتمي إلى نوعية المشاكل التي لا سبيل إلى علاجها إلا بسياسة النفس الطويل.

ربما كان المجال الثقافي والفني هو الجانب الأكثر إثارة للفضول والاهتمام، بالنسبة للكثيرين، في أنشطة الجالية الإسلامية في بريطانيا، فالإسلام، كما قد يتصوره البعض، دين بعيد عن إبداء الاهتمام بهذا المجال، بل وقد يذهب البعض في الخلط وعدم وضوح الصورة إلى الاعتقاد بأنه دين يرتبط بالجهامة والعبوس والصرامة.وقد يكون ما يدفع إلى البحث في هذا الجانب أنه قبل عقد من الزمان فحسب، فإن الساحة الإسلامية البريطانية كانت بمثابة منطقة خالية من الكوميديا والفن والثقافة. وما على المرء إلا أن يلقي نظرة على قسم قوائم الأنشطة والفعاليات والأحداث في أي مجلة إسلامية من مرحلة الثمانينات والتسعينات، وعندئذ سيجد الكثير من المؤتمرات والأحاديث والمناقشات الدينية التي يمكن حضورها على امتداد بريطانيا، ولكنه لن يجد إلا مصادر جد محدودة للتسلية والترفيه.

وبالمثل، فإن صناعة نشر الكتب الإسلامية بالإنجليزية في بريطانيا تركز على إنتاج المطبوعات ذات الطابع التعليمي والتوجيهي، والتي تدفع إلى الالتزام بالدين وتعاليمه وأوامره ونواهيه أو إصدار ترجمات للكتب الدينية التقليدية.وكل من يبحث عن الأعمال الصادرة من المسلمين أو عن الإسلام سيجد أن المتعذر عليه الحصول على ما ينشده.

هكذا كان المناخ الكلي في هذا الشأن، بحيث إنه عندما اعتنق المغني البريطاني كات ستيفنز الإسلام واتخذ اسم يوسف إسلام في عام 1979 أتلف أدواته الموسيقية وتوقف عن القيام بإنجاز أي تسجيلات جديدة لمدة عقدين من الزمان تقريباً، في ضوء نصيحة من بعض الفقهاء بأن القيام بإصدار مثل هذه التسجيلات يعد خطيئة لا ينبغي عليه الوقوع فيها، وكان من بينهم صهيب حسن من مجلس الشريعة الإسلامية البريطاني، وسيد درش الإمام السابق للمسجد الجامع المركزي في لندن.

الدين والثقافة والفن

في عام 1963 عقدت مجموعة من القيادات الإسلامية البريطانية مؤتمراً دام يوماً واحداً لمناقشة المدى الذي يذهب الإسلام إليه في السماح بالموسيقى. وكان الإجماع الذي انعقد عليه رأيهم هو أن الموسيقى ليست شيئاً جيداً، حيث ذهبوا إلى القول إنه من قبيل الخطيئة بالنسبة للمسلمين أن يعزفوا على أي آلة موسيقية، باستثناء الدف، وأن انتشار الموسيقى الحديثة في صفوف الشباب يأخذ في طريق الضلال.

غير أنه بين الغالبية العظمى من المسلمين فإن هذه القضايا تظل في أفضل الأحوال قضايا أخلاقية، فالفن والموسيقى والسينما وغيرها من الأشكال الأخرى للثقافة هي جزء من حياة المسلمين، تماماً كالسياسة والدين والعلم. وهذه الغالبية لن تتردد طويلاً في تحميل الموسيقى ونقلها إلى أجهزة «الآي بود» أو الوقوف في صفوف عند دور السينما لمشاهدة دانييل كريغ وهو يقدم إطلالته الأولى في دور جيمس بوند. ولا يحتمل للحقيقة القائلة إن الأشرار كما ستقدمهم هوليوود في السنوات المقبلة سيكونون ناطقين باللغة العربية بدلاً من الإنجليزية المتعثرة أو ذات اللكنات الروسية، لا يحتمل لها أن تحدث فارقاً كبيراً.

وفي الوقت نفسه، فإن عدداً كبيراً من المسلمين البريطانيين كانوا على امتداد بعض السنين يجربون وصولاً إلى طرق للجمع بين التزامهم بدينهم وبين الفن والثقافة. وكانت النتيجة هي ازدهار الساحة الثقافية الإسلامية البريطانية بطرق لم يكن أحد يتصورها مجرد تصور في التسعينات من القرن الماضي. ولا شك في أن الديموغرافيا قد لعبت دورها في هذا الصدد، حيث إن النمو يهيمن عليه اليوم أناس في العشرينات والثلاثينات من أعمارهم.

ويبدو أن بعضاً من أكثر الأعمال نزوعاً إلى التحرير يحدث في مجال الأناشيد الإسلامية والغناء الديني. ولهذه النوعية من الموسيقى تاريخ ثري على امتداد العالم الإسلامي من جنوبي أوروبا وشرقيها إلى الشرق الأقصى. ويبدو الآن أن بريطانيا تضيف صوتها إلى هذا المزيج، حيث تقوم مجموعة من الفنانين المسلمين الشبان بكتابة الأناشيد التي لا تصاحبها الآلات الموسيقية الوترية أو الإيقاعية، وإنما تعتمد بدلاً من ذلك على مصاحبة النقر على الدفوف وقوة صوت الفنان المؤدي.

والمثال الأكثر بروزاً في هذا الصدد هو المغني البريطاني الأذري سامي يوسف من مانشستر والذي تنتشر أعماله على امتداد العالم الإسلامي بفضل البراعة في التوزيع والظهور المتكرر على شاشات التلفزيون في البلاد الإسلامية.

يقظة ثقافية وفنية

لم تمض اليقظة الثقافية الإسلامية من دون التفات إليها، وهي في الوقت الراهن تحظى برعاية المؤسسة الفنية البريطانية، وقد أفضت إلى عدد من مشروعات التعاون ذات الطابع التجديد التي يتوقع أن تتزايد في الأعوام المقبلة.

وعلى سبيل المثال، فإنه في مجال الفنون التشكيلية هناك برنامج الفنون البصرية الإسلامية والتقليدية في لندن، وهو مؤسسة أكاديمية أنشأها الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا، وتقوم بإحياء الأساليب التقليدية في إبداع الفن الإسلامي، وتحظى بشعبية كبيرة في صفوف الفنانين البريطانيين الطموحين.

وفي مجال المسرح، تقوم شركة الخيال الإسلامية بتقديم عروض للمسرحيات العربية الكلاسيكية باللغة الإنجليزية، وقد تعاون مسرح غلوب الشكسبيري مع مجموعة فنية إسلامية في عام 2005، ونظم موسماً للمسرحيات والأحاديث تحت عنوان «شكسبير والإسلام».وفي ميدان الموسيقى، هناك قرية موسيقى السلام، حيث تقوم منظمة التعاون الثقافي اللندنية بتنظيم مهرجان للموسيقى المستمدة من مختلف أرجاء العالم الإسلامي.

وفي ميدان العلوم، يقوم متحف مانشستر للعلوم والصناعة باستضافة معرض لمدة ثلاثة أشهر تحت عنوان «1001 ابتكار» ويدور حول مساهمات العرب والمسلمين في الحياة الحديثة، وهذا المعرض يقام بمشاركة مؤسسة العلم والتقنية والحضارة.

التعاون الأكثر طموحاً

ربما كان التعاون الأكثر طموحاً حتى الآن هو مهرجان الثقافات الإسلامية الذي تستمر فعالياته على امتداد 12 شهراً، والذي يعد أكبر مهرجان فني إسلامي في بريطانيا منذ مهرجان عالم الإسلام الذي أقيم 1976.

ويجيء مهرجان الثقافات الإسلامية ثمرة للتعاون بين العديد من المنظمات والمؤسسات الفنية البريطانية والكثير من المجموعات الإسلامية التطوعية، وهو يتسم بالطموح سواء في نطاقه الهائل أو في مضمونه. ولكن ربما كان الجانب الأكثر تميزاً هو الكيفية التي أمكن بها لعالمين مختلفين تمام الاختلاف، هما عالما الفنون الإسلامية والبريطانية.

واللذان كانا قد تصادما بقوة في أكثر من مناسبة، أن يتعلما التفاهم واللذان أحدهما مع الآخر والوصول إلى اتفاق حول قضايا طالما كانت موضع اختلاف بينهما ومن على سبيل المثال كيفية تقديم الصورة البشرية بطريقة مقبولة للجانبين.

ومن مجالات الثقافة الإسلامية التي أصبحت ناضجة للنمو والتطور والكوميديا، وقلة محدودة للغاية من الممثلين الكوميديين المسلمين هم الذين شقوا طريقهم إلى التيار الرئيسي الفني البريطاني.

ومن الأسباب الكامنة وراء ذلك أن الكتاب والمنتجين في ميدان الكوميديا يترددون في المخاطرة ببث أي شيء قد يثير استياء جمهور المسلمين أو ضيقهم، بل إن كتّاب الاستعراض الكوميدي الآسيوي الناجح «جودنس جراشيوس مي» والاستعراضي الساخر «آل كومار في البناية رقم 42» يتجنبون طرح طرائق أو فكاهات تتعلق بالمسلمين بأي شكل من الأشكال.

وهناك الآن العديد من الممثلين الكوميديين البريطانيين الذين أصبحوا يتمتعون بشعبية كبيرة على هامش التيار الرئيسي للحياة الفنية البريطانية، وتمكنت قلة منهم من اقتحام التيار الرئيسي للبرامج التلفزيونية، الممثلة البريطانية من أصول باكستانية شازيا ميرزا، والتي تدور بعض أدوارها الفنية حول الحياة في البيوت الإسلامية الآسيوية.

وهناك أيضاً أومير ديجالي وهو ممثل كوميدي بريطاني من أصول إيرانية، وقد كان في وقت من الأوقات يلعب أدوار الأشرار الشرقيين في أفلام هوليوود، وهناك الممثلة مينا أنور التي لعبت دور ماجي حبيب في العمل الكوميدي الشهير «خط أزرق رفيع».

وعلى الرغم من المحاذير المحتملة، فإن المسؤولين التنفيذيين في التلفزيون البريطاني يبحثون عن أعمال كوميدية راقية يقدمها مسلمون يمكنهم تقديم المسرح والضحك من واقع تفاصيل حياتهم ذاتها، وفي الوقت ذاته تعبر هذه الروح المرحة الحدود الثقافية.

وهم يرون أن المنطقي أن تبتعد اللمحات الكوميدية عما هو أساسي وعقيدي في حياة المسلمين البريطانيين، ولكنهم يعتقدون أنه لا بأس من أن تنبع الكوميديا واللمحات المرحة، على سبيل المثال، من المتاعب التي يواجهها الرجل حيال الزيجات المتعددة في المجتمع الحديث وغيرها من ملامح الحياة الاجتماعية.

كامل يوسف حسين