أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب.
وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسموات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
أشعة إكس وملحقاتها كأنما كان القوم يستعدون لقدوم القرن العشرين.. في الأعوام الخمسة التي كانت قد تبقت من القرن التاسع عشر.. بدأ المجتمع العلمي والطبي في الغرب بالذات يتسامع باسم عالم فيزياء ألماني كان وقتها في حدود الخمسين من عمره واسمه ويلهام كونراد رونتجن..
شغوفا بخيوط الضوء الاثيرية غير المرئية وهي التي قادته إلى أن يعلن في سنة 1895 عن اكتشاف نوع من الأشعة لم يستطع أن يصوغ لها اسما محددا ولذلك أطلقوا عليها اسم (أشعة إكس) أي المجهولة أو الأشعة السينية كما قد تعرفها لغة العرب. وكان اكتشاف الأشعة أقرب إلى الفتح العلمي لأنه خطا بالتشخيص الطبي خطوات بل أشواطا بعيدة إلى الأمام.
وكم كان الأطباء الأقدمون يتلهفون على إمكانية النفاذ يوما إلى داخل جسم المريض لكي يدركوا مكامن العلة ومن ثم يستطيعون علاجها.. في طب أبو قراط وجالينوس عند اليونان وعند الرازي..
وابن سينا وكانا من أكبر أطباء الحضارة العربية الإسلامية.. ترد أوصاف وتشخيصات دقيقة في معظمها.. ثاقبة النظر في أغلبها لأحوال الأمراض ومظاهرها وحالات الإصابة بها التي تعتري الجسد المريض.. وفي كتاب (الحاوي) للرازي (864-923) وقد كان أقرب إلى الموسوعة الطبية الجامعة في زمانه.. يقرأ الطبيب الدارس.. ويتعلم الطبيب الناشئ المتدرب فن الملاحظة الطبية الحكيمة النافذة التي تسمى في معاجم الطب المعاصرة باسم «المناظرة» – يتعلم كيف يربط الظواهر ببعضها..
ثم كيف يربط بين إفرازات الجسم والتحولات في وظائف الأعضاء وبين الوضع البدني – الفسيولوجي للمريض وبين أحواله النفسية والمزاجية وبعدها كان الطبيب العربي القديم يصف دواء ناجعا في معظم الأحيان.. لا عجب أن ظل الناس يطلقون على الطبيب النطاسي البارع اسم «الحكيم» وهي تسمية ظلت سارية في أنحاء شتى من الوطن العربي ربما حتى الخمسينات من القرن العشرين. وبالمناسبة تروي الباحثة الألمانية المنصفة الدكتورة ز جريد هونكة في كتابها الأشهر بعنوان (شمس الله تسطع على الغرب).
أو (فضل العرب على أوروبا) كيف حاول ملك فرنسا في أواخر عصر النهضة أن يستعير كتاب الحاوي للرازي من مكتبة الجامعة في عاصمته فإذا بمسؤول المكتبة يطلب إيداع جواهر ثمينة من درر التاج الفرنسي رهنا لقاء إعادة الكتاب النفيس الذي وضعه طبيب عربي مسلم.
المهم أن جاء اكتشاف أشعة إكس – كما أسلفنا – ليفتح الطريق أمام قراءة أكثر تمعنا ومناظرة أشد دقة للأعضاء والأحشاء والتلافيف الداخلية التي ينطوي عليها الجسم البشري. وبعدها استحق المكتشف الألماني رونتجين الفوز بجائزة نوبل الرفيعة في الفيزياء في عام 1901 وكانت هي الأولى في هذا الفرع منذ إنشاء الجائزة على الإطلاق. بعدها شهدت لندن في عام 1905 نشر أول كتاب عن فحص الصدر بالأشعة الجديدة..
وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى في عام 1914 دخلت إلى حلبة هذا الفرع من العلم عالمة شهيرة وقتها هي ماريا سلولودفسكا المعروفة لنا باسم مدام كوري. وكانت قد هاجرت من وطنها الأصلي في بولندا وعاشت مع زوجها الفيزيائي الفرنسي بيير كوري، وتعاون العالمان على دراسة خواص اليورانيوم وعلوم الإشعاع فكان أن اكتشفا مادتي البلوتونيوم والراديوم وفازا معا بجائزة نوبل في عام 1903.
وبعد وفاة الزوج واصلت ماري كوري بحوثها بدأب وإخلاص من أجل استخدام نتائج البحوث الإشعاعية في مجال الطب فكان أن فازت من جديد – وحدها هذه المرة - بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1911. وحين شبت نيران الحرب العظمى دعت البروفيسور ماري كوري إلى إنشاء وحدات أشعة متنقلة لمعالجة الجنود من جرحى الحرب وتبرعت بجزء من التكاليف لصالح الجيش الفرنسي.
وهكذا تطورت مسألة الأشعة من مجرد تيسير وتدقيق التشخيص.. لكي يبدأ استخدام العلاج الإشعاعي (الراديولوجي) في علاج أخطر الأمراض. وفي عام 1920 تألفت أول جمعية لأخصائيي علاج الأشعة. وفي عام 1924 نشر جلبرت ستيد أول كتاب علمي لصالح طلاب الطب من دارسي هذا التخصص وكان عنوانه (الفيزياء الأولية).
أما عام 1937 فقد شهد الانعطافة الكبرى على طريق استخدام الأشعة جذريا في خدمة العلاج حين بدأ الدكتور جوزيف هاملتون الأميركي في استخدام مادة اليود المشع لتشخيص وعلاج مرض الغدة الدرقية. في نفس عام 1937 عولج أول مريض مصاب بسرطان الدم في مستشفى جامعة كاليفورنيا – بيركلي وكان هذا أول استخدام علاجي للإشعاع من أجل مداواة داء السرطان بكل خطورته المعروفة.
رحلة طويلة قطعها هذا التخصص منذ اكتشافات رونتجن في عام 1895 وعلى مدار كل سنوات القرن العشرين.. ولم يكن أمر استخدام الأشعة أو التعامل معها ليقتصر على نخبة الفيزيائيين أو الكيميائيين أو حتى الأطباء.
لقد استوعب هذا الميدان مهارات وتخصصات أخرى ضمت طوائف من مصوري الأشعة والأطباء الاختصاصيين وأهل الهندسة الطبية وممارسي أعلى مستويات التمريض.. ذلك لأن التخصص ارتبط ربما أكثر من غيره بكل ما كان التقدم التكنولوجي يطرحه من تطورات وابتكارات في هذا الميدان.. وهكذا دخل استخدام الحاسوب والتكنولوجيا الرقمية (ديجيتال) والموجات فوق الصوتية وموجات الرنين الصوتي.
لكن الأمر ظل يتمحور من قبل ومن بعد على أن اكتشف رجل ألماني منذ 117 سنة وسيلة للكشف عن أسرار التكوين المعجز لفطرة الجسم البشري.. بمعنى أن بدأ الأمر بمحاولة الحصول على ما يمكن أن نصفه بأنه صورة من الداخل.. وربما كان ذلك شغفا متأصلا تحفزه ملكة الفضول في نفس الإنسان.
نفس الفضول الذي دفع مكتشفا آخر إلى أن يحصل على الصورة ثلاثية الأبعاد وهي الصورة التي تتغير معالمها كلما غيرت نظرتك إليها وكأنما أضيفت عليها لمسة دينامية من حياة وقد أضحت في أيامنا شائعة الاستخدام في مجالات الترفية والإعلان بالدرجة الأولى وتحمل اسم هو لوغرام المشتق من العبارة اليونانية بمعنى «الكتابة المكتملة».
وقد توصل إليها فيزيائي.. هنغاري هذه المرة مولود في بودابست عام 1900 واستخدم في تركيبها أشعة الليزر. كان اسمه دينيس غابور وقد عمل استاذا في كلية العلوم والتكنولوجيا في لندن وارتبط اسمه بعدد يقرب من 100 فكرة واختراع إلى أن حصل بدوره على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1971 وكان ذلك قبل رحيله عن الدنيا بثمانية أعوام.
بلاستيك
كان ذلك في أواخر ثلاثينات القرن.. فقد كان المهندس الشاب إيرل توبر شغوفا بمادة جديدة أو مستجدة الاستعمال في القرن العشرين اسمها البلاستيك. من أجلها ترك وظيفة مرموقة في شركة صناعية كبرى لإنتاج البلاستيك. في ومقابل مكافأة نهاية الخدمة لم يطلب من الشركة الكبرى سوى.. كمية من.. البلاستيك!. فما كان منهم سوى أن أعطوه مادة يوليشيلين سلاج. وهي من مخلفات صناعة تصفية أو تكرير النفط. كانت مادة سوداء مائلة إلى الصلابة..
وعكف المهندس الشاب على محاولات صقلها وتبييض سطحها حيث كان هدفه إنتاج مادة بلاستيكية تجمع بين الصلابة والشفافية في آن معا. وعندما أنتج أكوابا وأوعية من تلك المادة.. لم يقبل عليها المستهلكون نظرا لسوء شكلها.. فما كان منه سوى أن فكر في أن يصنع منها كعوبا لأحذية السيدات.
كان في هذا كله يستند إلى تاريخ وتجارب في صناعة مواد البلاستيك بمعنى اللدائن التي يمكن أن تتصف بالصلابة وغير قابلة لصدأ المعادن وقد عرفتها البشرية لوقت طويل منذ أن اكتشف الإنجليزي الكسندر باركس الأشكال الأولى للبلاستيك في عام 1855 من خلال خلط مادة السليولوز النباتية الأصل بالكحول مع الكافور لينتج مادة مرنة وشفافة أطلق عليها وقتها اسم الياركسين وأحيانا كان يطلق عليها من باب التدليل أو الترويج اسم (العاجل الصناعي أو التخليقي) وحصل بها على الجائزة.. البرونزية في المعرض الدولي المعقود في لندن عام 1862.
استنادا إلى هذا التاريخ الحافل واصل المهندس توبر تطوير منتوجاته البلاستيكية حيث واتته فكرة لامعة يطمح من خلالها إلى إنتاج أوعية بلاستيكية شفافة ومحكمة الإغلاق لا يتسرب إليها الهواء ومن ثم تصلح لحفظ الأطعمة وإبقائها طازجة لوقت طويل.
ورغم نجاح الإنتاج ظل كاسدا في واجهة محلات الأربعينات في أميركا إلى أن تصادف أن استخدمت الأوعية الجديدة ربة بيت لمّاحة أدركت مالها من قيمة في حفظ الطعام فكان أن تعاقد معها توبر لأداء بيانات عملية أمام جموع المشاهدين وبهذا راجت المبيعات التي حملت اسم «توبر وير» وسجل صاحبها براءة اختراعه في عام 1951 في أميركا، ثم وفي عام 1965 في انجلترا وبعدها واصل إضفاء لمسات الرقة والجمال على أوعيته البلاستيكية لدرجة أن أصبحت بعض نماذجها معروضة لزوم متعة لزوار الفرجة في معرض الفن الحديث في نيويورك.
محمد الخولي

