لم يكن الوصول إلى مخازن الذكريات شاقا، فلا تزال هناك أماكن تحتفظ بكم من سمات الماضي العتيق، يرشدك إليه ما يشبه الأطياف.. لا تراها لكنك تستشعرها في وقع خطوات المارة، ودبيب الساعين إلى الصلاة بهمهمات التسبيح، وشواهد أصيلة ثابتة بصلابة تقاوم التغيير، ذلك كله مع ما يوليه المسؤولون من حرص للحفاظ على النمط الحقيقي لعصر البساطة والبراح، والمساحات المفتوحة بانفراج، كامتداد الصحراء الصافية. وعلى الرغم من سهولة الوصول إلى تلك المخازن الإنسانية، إلا أن البحث في ذواكر من عاصر ذلك الماضي يظل هو الجانب العسير في المسألة.

لكن لابد من الاقتراب، ولابد من طرق الوجدان، وان كنت مثقلا أو مشحوناً بالمشاعر المتضاربة، فما عليك سوى أن تتخفف من الحذر، حتى تنفتح لك بوابات من الذكريات، محورها الشجرة العملاقة المعمرة، شجرة ارتبطت بمدينة الشارقة كما المصير، أدهشت الناس، وأعجبتهم فاحتضنتهم، وآوتهم تحت ظلها الثخين. إنها الرولة.. الشجرة الأم.. والرمز الخالد. هنا محاولة لتلمس شيئ من ذكريات الأجداد وبعض ممن عاصر الرولة، لمرحلة مضى عليها زمن، وشابها التغيير، فماذا تبقى لديهم، وبم احتفظ هؤلاء في مخازنهم الوجدانية عن الرولة.

علي بن علي المسلم التاجر بسوق العرصة بالشارقة، لم يستغرق وقتا ليقدح ذاكرته، فهي حاضرة طازجة، كما لو كانت أحداث الأمس، يسعده الحديث عن الرولة: بودي أن أسهب عن أشياء وأشياء، لكن أؤكد أننا كنا نستعد للذهاب إلى الرولة منذ الظهر، وأكثر ما أغراني فيها، العاب الحظ ندفع مبلغا زهيدا لصاحب اللعبة، ثم توضع زهرة النرد تحت علبة فارغة من الصفيح يرجها، فإن ظهر الرقم الذي سبق وحددته فإن الحظ قد حالفني وأفوز.

وهو غالبا لا يزيد عن فلسات، لكنها مجدية أقصاها ربما درهم بعملة هذه الأيام، أما الحلويات فقد كان الباعة يجلبونها وينادون عليها بأهازيج معينة، وهي في الغالب حلويات تقليدية، أذكر منها (الصبيعات) سكاكر طولية ملونة، لكن الأهم بالنسبة لي كان النخي، والنبق اليابس أو المجفف ذلك اختياري، وفي الشتاء أفضل (الطرثوث) وهو نبات الأرض بُعيد المطر، كما أتذكر الجراد وهو من الأكلات المرغوبة في ذلك الوقت، إلى جانب (الفندال) المسلوق وهو ما يُعرف بالبطاطا الحلوة، أيضا (شربت) أي عصير الليمون الحامض يباع تحت الرولة.

هنا يأخذ علي المسلم نفسا عميقا، ثم يشرد ببصره إلى الفراغ قبل أن يقول بشجن: يتحول ميدان الرولة إلى مدينة ضاجة بالحياة والصخب لمدة ثلاثة أيام، خاصة أنها لم تكن ملتقى لأهل الشارقة فقط، بل بمثابة مجمع لكل أهل الإمارات.

كان يتوافد إليها السكان في المناسبات من أماكن بعيدة مصطحبين أولادهم، وكانت عنوانا بارزا وواضحا، تضرب تحتها المواعيد، لأنها علامة معروفة لا يضل عنها أحد، كنا إذا لم نذهب إلى الرولة في العيد فكأننا ما عيدنا، ويضيف: مواعيد اللعب تتبع نظاما دقيقا يبدأ من العصر إلى وقت الغروب، بعد ذلك الكل يغادر إلى بيته بشكل تلقائي، خاصة بعدما يلتم جميع مرتادي الرولة، لمشاهدة سباق الخيل في الساحة المفتوحة المقابلة لها، والذي يقام قبيل الغروب.

طعم طيب

أتذكر حين يصف ورق الرولة في صواني الحناء في مناسبات الأعراس ليدار بها على الفريج بزهو وفرح. كما كان للرولة ثمر ذو طعم طيب مثل التوت، وكنا نتسابق لنرتقي أغصانها الضخمة ونلتقط الثمار الحلوة. نحن جيل الأربعينات والخمسينات عرفنا قيمة الرولة، فهي رمز من الرموز، لقد كان الرجال ينظمون حلقات التشاور، والملتقيات وربما كانت تعقد الصفقات تحتها، كما يتذكر المسلم ضاحكا، قرصات (الضمي) وهي حشرات تكون عالقة في الجمال، التي لم تكن خارج استضافة الرولة التي كانت (مبركا) أيضا للجِمال، مع ذلك - يكمل- كنا نحتمله ولا نغادر قبل أن يلوح الظلام.

كما أتذكر سعر المياه المرتفع، فكان يرهقنا العطش، وأيضا لا نتنازل عن إتمام فرحنا ومكوثنا حتى النهاية، كان الرمل تحتها والمحيط بها أبيضا مثل الحليب في نظافته، لأن الناس تحترم المكان وتحافظ على نظافته، الرولة كانت منتدى مفتوحا بلا قيود أو حواجز.

وحولها كانت بيوت السعف لمن سيصيف في هذه المنطقة. الرولة التي عرفتها انتهت وما بقي منها إلا مجسم، أو نموذج من النحاس في برواز من خرسانة، أعتقد أنه كاف لكونه شكل من أشكال التقدير لهذه الشجرة.

يتنهد علي المسلم بعد هذه العودة إلى حوالي الخمسة عقود بما يشبه الحسرة فيقول: الحقيقة أن العيد فقد طعمه ومعناه باختفاء الرولة، تلك التي شكلت ذاكرتنا، ولو أعيدت الرولة كما كانت، لا أتصور أنها ستشكل ذاكرة الجيل الجديد، لأن له ذاكرة تتشكل بمعطيات مختلفة، ولا أتصور أن ذاكرتنا تورث لأولادنا.

أما الثمانيني راشد محمد الحاج، فقد انساب كلامه بهدوء من على مقعده المتحرك، مؤكدا أن معاصرته للرولة بدأت منذ أيام حكم سلطان بن صقر القاسمي حيث عرفت كشجرة معمرة، ثم يقول: قبل تلك الفترة لم نكن نعرف عنها شيئا، فعمرها في ذلك الوقت يفوق الـ 240 عاما، وكانت ملتقى الجميع في أيام الأعياد خاصة، فهي الوجبة الرئيسية بعد صباح العيد حيث يعود الشباب من البحر في فترة الظهيرة، ويبدأ الاستعداد للذهاب للرولة سيرا على الأقدام. يكون شد الحبال إلى أغصانها لعمل المراجيح قد اكتمل، وبدأت البنات في حجز أدوارهن لاعتلاء المرجوحة، وكان استخدامها مجانيا إلا إذا (شط) بهن أحد لتعلو المرجوحة أكثر.

الرولة كانت مساحة متاحة، أو ميدانا يجد فيه جميع الفئات فرصة لنقل ثقافاتهم، والتعبير عنها، وكل كان يأخذ دوره بلا مزاحمة. كان الوجهاء أو الموسرون يرسلون أولادهم مع الخدام لكي لا تفوتهم متعة المشاهدة، لأن الأيام الثلاثة للعيد تكون حافلة بأصناف المرح واللعب واللهو والتسلية والجد إلى جانب أصناف الحلويات، فتلك مناسبة لا تأتي إلا مرة في العام.

ولأنه لم تكن تتوفر سيارات في تلك الفترة فكان الناس يأتون إليها على ظهور الدواب. الحاج هو الآخر لا يخفي ألمه على ذكريات الرولة فيضيف: منذ الأربعينات غادرنا عيدنا، ولم تعد الأجواء كما كانت تغير كل شيء. وأتصور أن ضيق المدينة، وزيادة الملوحة في المياه ما قضى على الرولة. ثم يعود إلى أعماقه ليعقب بخلاصة مفادها: كان الناس يستظلون تحتها ويلعبون الكرة. صمت ثم عاد يقضم ثمرة لوز من شجرتها خلفه.

الحظ واليانصيب

يتداخل محمد فضل ليقول بمرارة المسلّم بالواقع: وقت وعدى، ولا يمكن أن يعود، نعم.. هو وقت جميل على الرغم من شح الدخل وقلة المادة. يتذكر مع علي المسلم لعبة الحظ والنصيب، ويضيف: هي لعبة قد تدخل في إطار الممنوعات، لكن لم يكن القلق يشغلنا تلك الأيام، وكنا صغارا فلم يمنعنا من ممارسة الألعاب لما كانت تمنحنا من شعور بالمتعة والاطمئنان.

كانت ألعاب الرولة عبارة عن مراجيح من الحبال إلى أن جاء شخص يمني وجلب أربعة صناديق خشبية معلقة في خشبتين متقاطعتين ومثبتة على حديدة اسطوانية مثل البكرة لعملية التدوير، وهي ما نراه اليوم في الألعاب الكهربائية المطورة والمراجيح المعلقة الضخمة.

أما السباقات فكان يدهشني سباق الصقور أو الشواهين في ما يشبه التدريب، لكن بعد فترة تغير المنظر العام وأنشأت حديقة أمام الحصن. كما يتذكر بفرح فيقول: لم تكن هناك كهرباء، وكنا نضيء بالفنر أو التريك. ينهي بابتسامة: كانت الحياة تعتمد البساطة.

هنا يأتي صوت سيف العود قائلا بغضب: كل شيء تغير حتى الأحاديث التي تجمعنا ما عادت تلك الأحاديث السابقة، وبتهكم يردد (وطر وولى) أحاديثنا اليوم تتمحور حول السفر ومشاهداتنا الحديثة، بينما تلك الأيام كانت أيام خير، لأن لم يكن أحد يحسد أحدا، بل يشعر الجميع بأنهم سواسية، مع وجود الفروق، لأن هناك مبدأ اسمه الرضا، وهو كفيل بتهذيب النفوس.

ويضيف: زمان أول كانت المنازل هي المأوى الوحيد مع غروب الشمس لأن الظلمة كانت تجلب الخوف. ويؤكد على ما ولى من وطر بقوله: في السابق كان من الواجب أن ينهض الوالد ويوقظ ابنه ويصطحبه للمسجد لصلاة الفجر.. منها تربية وتدريب على البكور ومنها الحرص على الحضور، وإن تخلف يوما فالكل يقلق، لأنهم لم يعتادوا على غياب أحدهم بشكل مفاجئ، وأن حدث فذلك مؤشر أن في الأمر سوء لا سمح الله.

الرولة والعيد

ولفتيات الأمس ذكرياتهن، تتذكر الناشطة في مجال العمل التطوعي فاطمة المشرخ: ارتبطت الرولة بما كنا نرتديه في العيد، وأذكر (وقاية دمعة فريد) و(الثياب الزري وبو طيرة) فهذان أمران مرتبطان ببعضهما فثياب العيد مرتبطة بالذهاب إلى الرولة.

كنا (نبات) نقضي الليل والثياب تحت رأسنا مقرونة بذكريات الوالدة وهي تغير بحماس وشغف أوجه المساند والخِدر وهي ستائر للسرير من أعلى و حوله في الأسفل، أو كما كنا نسميه (حْيَاب) السرير و(الزِوية) كل هذه الاستعدادات تقوم بها سيدة البيت، بدءاً من تطريز الستائر وزخرفتها بالألوان الجذابة.

كان كل النساء الشابات يمارسن هواية التطريز في فترة كان الاعتماد الذاتي سمة جميلة لحياة بسيطة، كانت المرأة متفرغة للبيت وهو أساسا بسيط، والنهوض المبكر طقس مقدس يتيح الانجاز حيث تبدأ عملها المنزلي منذ الصباح الباكر وتنهيه قبل انتصاف النهار، وذلك تطبيقا لقول رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم (بأن البركة في البكور).

بالنسبة للرولة أعيش الذكريات كما لو كنت في حلم، في كل مرة أجد نفسي في المنطقة، أأسف على المكان الذي لم يعد يحمل الوطنية. البيئة اختلف، وحتى وجوه الناس، كل شيء انقلب رأسا على عقب، لكني أعيش بذكريات البيئة الصرفة، حتى الرائحة أتذكرها. أمر على المكان بحزن شديد لما آل إليه الميدان. كنت صغيرة لا أدرك الكثير، لكن ما احتفظ به مختلف كليا عن واقع اليوم.

وتضيف: أجمل ذكرياتي (المريحانة) مع أكل طبق (الدنقو) بالليمون والشطة تحت الرولة، وشراء الألعاب الجميلة. كان للألعاب قيمة في ذلك الوقت، ولو نقارن أطفال اليوم والأمس، حيث اللعبة كانت حلما نشتريها من عيد إلى عيد، ومن مصروفنا الخاص، لذلك كنا نحافظ عليها ونعزها ونقدرها، لأنها من عيديتنا. طفل اليوم لا يشعر بقيمة لعبته ويرميها بمجرد إلقاء نظرة عليها، بينما طفل الأمس كان يرتبط بها.

وأذكر المراجيح الخشبية، وأول من أحضرها شخص يمني، وكنا نردد وراءه أهازيج.. كان يقول (ياسلال) ونرد (سل علينا) ولم نكن نعي ما السلال، ولا ما سيَسل علينا، كان المرح هو البطل والغاية، بعدما كبرنا وقرأنا التاريخ عرفنا أنه رئيسهم عبد الله السلال، فضحكنا على براءتنا.

أتذكر دق القمح أو حب (الهريس) في مناحيز خشبية ضخمة مصحوبا بالأهازيج الجميلة، لقاء الرولة مناسبة يستثمر فيها مثل هذا التقليد كاستعراض.

أتذكر السدرة بقرب الرولة وأيضا المدفع كانا مخصصين لتنفيذ العقوبات في المجرمين، وكنا كل عصر نذهب بفضولنا لمشاهدة المجرمين وهم يعاقبون على مرأى من الناس.

أتذكر الحصن و(المحلوسة) لأنها بالقرب من الرولة، حيث يسجن فيها المعتوهين لدرء خطرهم وأذاهم عن الناس، في غرفة تشبه القبو ونوافذه في الأعلى، وكانت متعة المشاكسة مع هؤلاء لا تفوت.

فرح منقوص

كثيرا ما أستدعي هذه الأجواء ويغمرني فرح منقوص، أحيانا أتمنى لو تعود الأيام الجميلة وليست الأليمة من ذلك العهد. لقد انفرطت الرولة وأثر ذلك على العلاقات الاجتماعية، ومات العيد مع سقوطها، لأنها كانت مكان الالتقاء فأخذت معها فرحة العيد ودفن معها.

أتذكر أن هناك حارسا للرولة كان رجلا يدعى سعيّد يقوم بالمهمة بدافع الخوف من أن تؤذى الشجرة، وحين سقطت كان تلوث البيئة حولها أكبر الأسباب بعدما بدأ الآسيويون يقومون بتغيير زيوت السيارات تحتها، فكأنها رفضت هذه الممارسات حتى الموت فانتحرت وماتت وهي واقفة.

لقد كانت محقة في ذلك الرفض الذي تبينت نتائجه الآن.تستطرد المشرخ: زرعوا كم شجرة رول، لكن الشجرة الأم ذهبت. الرولة الجديدة جاءت ونمت في مظاهر مختلفة هذه المظاهر أنا عن نفسي أرفضها.

الاختصاصية النفسية وداد الشاعر المهيري: ترى أنها أجمل فترة في حياة أي إنسان، فقد كانت الرولة شجرة كبيرة وعظيمة في ما حققته من تواصل وتذليل للفروقات، لأنها جمعت ليس أهل الشارقة فقط بل سكان الإمارات الأخرى.أنا عن نفسي أتذكر طعم الفلافل، حتى اليوم مذاقه مستقر في ذاكرتي، لقد كانت النكهة مختلفة والسبب أننا نجده في العيد فقط، ومن سنة لسنة، لذلك نشتاق له وننتظره، وعلى الرغم من توافر هذه الأكلة على مدار الساعة في هذه الأيام، لكن ليس كذلك الطعم أبدا.

أيضا الألعاب كانت بسيطة وبدائية لكن فيها الكثير من المتعة، وقد عرفت الشارقة بالرولة لكونها شجرة معمرة، لكنها ما عادت الآن واعتبر أنها صودرت من قبل الآخرين، لكن تبقى بالنسبة لي أهم الذكريات. كانت معلما، لكنه انتهى، وأصبح الوافدون هم من يستمتعون بها ويستظلون تحتها.

ولم نعد نستطيع المرور حتى بالقرب منها، فشخصيا لا أشعر بالأمان إن فعلت، كما لا أشعر أنها تمت لي بصلة، أو أنها تمثلني لقد ضاعت المعالم، كما أن المكان لم يعد نظيفا كما كان خاصة أيام الإجازات، ولا يقتصر الأمر على ميدان الرولة، لقد تجاوزه إلى الحدائق، لقد أصبحنا غرباء في ديارنا.

وبأسى تعقب: كل ما نتذكره من عبق الماضي خاص بنا لأننا عاصرناه، لكن أجيال الغد لن يتذكروه، حتى لو وصفناه وشرحناه لهم بدقة، فمن سمع ليس كمن رأى وعايش وجرب، تلك أمور لا يمكن نقلها. أتذكر أننا فتيات وفتيان نقف بالطابور للمرجوحة الخشبية، ومن يصله الدور قبل الغروب يكون يوم سعده، وإلا سوف يعود في اليوم التالي للوقوف في أول الطابور.

وتقول اختصاصية علم الاجتماع وعضو المجلس الاستشاري بالشارقة رئيسة لجنة شؤون الأسرة حصة المدفع: لاحقا أصبحت الرولة رمزا للاحتفالات وخاصة في أيام العيد، لكن البداية لم تكن كذلك.

هي شجرة ليست إماراتية، جلب بذرتها من دولة أخرى وغالبا من الهند المغفور له الشيخ سلطان بن صقر القاسمي جد الشيخة جواهر حفظها الله، وزرعها فنمت وتعاظمت وذاع صيت الشجرة الغريبة والكبيرة، فتوافد الناس من كل مكان للفرجة عليها، ولأنها ظليلة استفاد الناس بفيها الكثيف، بل وكانوا يخيمون تحتها، مع الوقت بدأت تستقطبهم لأغراض أخرى وأولها مناسبات الأعياد.

وأتذكر حادثا وقع لي تحتها، في أحد الأعياد سقطت على رأسي حديدة من المرجيحة الخشبية وشجته، ولم يكن هناك مشفى مختص أو قريب، وظللت أنزف حتى نقلت إلى مشفى تابع للقاعدة البريطانية وتم تنظيف الجرح، لكن الوالدة أطال الله في عمرها لم تقنع من تضميده فقامت بمداواتي بالطرق التقليدية المعروفة حينها وشفيت لله الحمد.

وتضيف المدفع: أجزم أنه لم يكن للفرح بهجة إلا في ذلك المكان، وأكثر ما يجلب البهجة هي مراجيح الحبال أو الخشبية التي لم تكن موجودة في البداية، وكان قد جلبها يمنيون وكانوا يتغنون بأغانيهم الوطنية، ونحن نردد معهم، فكل ما كان يعنينا أن نفرح بالعيد.

ارتباط بالماضي

تؤكد المدفع: لم أدع المستجدات تهزم ارتباطي بالماضي، ولم أسمح للحداثة بأن تؤثر في علاقتي بتلك المرحلة ومظاهرها، مازلت أصطحب أولادي إلى بيت جدهم في الشارقة القديمة، ونمر على الساحات شارحة لهم بحميمية عن المنطقة وما فيها، فأجدهم يستوعبون ذلك، بل ويحسدوني على حرية زمان في التنقل والأمان اللذين كنا نتمتع بهما، وعلى أهالينا وما يتمتعون به من علاقات حميمة أولادي لا يرفضون ذلك الماضي أبدا، بل يفتقدون جزءا مهما من تكوينهم.

وأنا أسطّر الشكر لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان على الحفاظ على ذلك الواقع وجعله ممتدا، لأنه حقيقي. أتصور أن الذكريات تورث، وإلا لما قيل (من ليس له أول ليس له تالي) و(من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل) إن القيم التي تربينا عليها قيم حضارية، وهي التي تبقى.

وأضافت: زرنا قبل أسابيع مشفى في بريطانيا عمره 900 عام، وما زال قائما حافظا للتاريخ والأحداث، وهم يعتزون به. فلم لا أعتز بقديمي، وهو من صنع الأجداد.. حقيقي ويمثلني ويعبر عني وعن هويتي وخصوصيتي، كما تعبر الحضارات عن صناعها وأهلها. إن تراثنا صلبا، والأساس الصلب يبقى، ولابد أن نغرسه في أولادنا، وأعتز بأني إماراتية حتى النخاع.

وتضيف: بعدما شاخت الرولة الأم وانتهى عصرها تم زراعة شجر رول في الميدان، وتوالدت كما تتوالد الكائنات كافة، لكن لا يمكن عودة زمن الرولة، نحن فقط نحاول الاستفادة بما يتيسر منه، وبما يتاح لأن العولمة أكبر من استطاعتنا.

فاطمة محمد الهديدي