عندما نتحدث عن الحرية في أي معنى يتصل بها، فمن المؤكد أننا لا نرمي إلى المفهوم السائد عند بعضنا لها، هؤلاء الذين لا يستحون ويفعلون مايشاؤون برغم أنهم أحرار وليس من حق أحد أن يتدخل في شؤونهم وتصرفاتهم التي قد تؤذي الآخرين، كلا ليس هذا من الحرية في شيء لأن حريتي تنتهي عند حرية الآخر.. لابد لي من أن أحترم حرية الآخر هذا، وأن يحترم هذا الآخر حريتي وخصوصا في معتقدي.
ويثور جدل طويل وعنيف في أيامنا هذه حول حرية الرأي، ولاشك أن الرأي ينبغي أن يكون حرا لأنه قيمة إنسانية.. لهذا المخلوق الذي كرمه الله عن سائر المخلوقات على هذه البسيطة بالعقل، ولكن الذي يثير الجدل هو هل تكون حرية الرأي هذه مطلقة دون كوابح؟ من المؤكد أن الجواب بالنفي، فليس معنى أن تكون حراً في رأيك أن تسيء لي في مقدساتي ومعتقداتي.وهذا الأمر قد أحدث تصادما عنيفا منذ فجر الدعوة عندما صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله فدعا أهله الأقربين إلى التحرر من عبودية الأصنام تلك التي توارثوها عن الآباء إلى عبادة الله الواحد الأحد، ولم يكن يحمل مدفعا او قنابل نابالم الواحد الأحد، ولم يكن يحمل مدفعا أو قنابل نابالم أو متفجرات يرهبهم بها ويجبرهم على اعتناق تلك الدعوة.
وإنما دعاهم بالكلمة وبآيات الله التي تنزلت عليهم تخاطبهم ليحرروا عقولهم من ذلك الباطل الذي عشش في عقولهم ومع ذلك حاربوه ومنعوه من أن ينشر دعوته تلك في الوافدين للحج من القبائل العربية، بل وآذوه وآذوا من اتبعه إلى أن قيض الله لدينه أن ينتشر بعد الهجرة في المدينة المنورة، وعلى الرغم من ذلك كانت الملاحقات منهم إلى هناك.
ألم يحشدوا حشدهم في بدر بهدف القضاء على الدعوة في تلك الحرب التي لم تكن متكافئة عددا وعتادا وهم يعلمون ذلك ولذلك خاضوها وهم على يقين من كسبها ولكن الفئة القليلة المتحررة من أفكار الجاهلية انتصرت عليهم بإذن الله، فئة حرر قرآن ربها فكرها وإرادتها والقرآن من الله العليم بمن خلق العليم بطبيعة الإنسان وفطرته، فعندما يسلم هذا الإنسان لرب العالمين، فإنه يكون قد تخلص من هذه القيود التي كبلته وحالت دونه وفطرته وطبيعته.
وعندما نقول إن رمضان هو شهر الحرية فلا نكون أبدا بعيدين عن هذا الطرح الذي طرحناه لمفهوم الحرية وقيمتها، فالمسلم الذي يصوم شهره هذا عن شهوتي الفم والفرج امتثالا لأمر الله، يكون قد حرر نفسه من عبودية هذه الشهوات التي تسيطر على إرادته ومشاعره.
فالعبودية أن تستعبدك هذه الشهوات وهذه الملذات والمتع، أما رأيتنا في غير شهر رمضان لا تقوى على تفويت وجبة الإفطار أو الغداء أو العشاء عدا ما نتناوله من عصائر ومرطبات وحلوى في فترات غير محددة من يومنا أو ليلنا، وفي شهر رمضان نتحرر من ذلك ونمنع أنفسنا عن كل ما نشتهيه إلى مغيب الشمس من مطلع الفجر.
وإذا قال قائل: إننا نخرج من عبودية عادات لنقع في قبضة عبودية هذه النوازع الدينية فنقول له: ما أجمل أن تتخلص من عبودية باطل لتقع في عبودية الحق، والله هو الحق ودينه الحق وخاتم أنبيائه وما جاء به من رسالة خالدة من ربه كل ذلك حق، ومن هنا فإن شهر رمضان والصيام فيه حرية إلى أبعد ما تعنيه الحرية لأن الصائم خضع لإرادة الله وتحرر من إرادة الشيطان والهوى، فأيهما أفضل، العبودية لله الخالق المعبود بحق، أم عبودية الشيطان؟
هؤلاء الذين يصومون رمضان إيمانا واحتسابا حررتهم عبادة الله من كل خوف عدا خوفهم منه سبحانه. قال تعالى: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم» سورة يونس ـ الآيات 62 ـ 64 ـ يقول ابن عطاء الله السكندري «أنت حر لما أنت عنه آيس وعبد لما أنت له طامع».
ويقول ابن خضرويه وهو من كبار السادة الصوفية «في الحرية تمام العبودية، وفي تحقيق العبودية تمام الحرية» وهو يعني هنا حرية أن تفعل ما تشاء حتى لو كان في ذلك معصية الله، بمعنى أن تكون عبداً لشهواتك وأهوائك ـ كما أشرنا سابقا ـ وان عبوديتك لله رب العالمين وتقيدك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فعلا تمام أو قمة الحرية، وفي شهر رمضان يتمثل هذا المعنى ويتجلى بوضوح فهو دون جدال شهر الحرية المثلى.
ألا ترى يا أخي الكريم أنك في تصرفاتك الخلقية الكريمة تكون بعيدا عما يجرك إلى المحاكمات وبالتالي إلى الحكم بالسجن الذي يقيد حريتك؟ وأنت في الكلمة الكريمة والطيبة التي لا تجرح أحدا أو تسيء إليه حر حيث لا تضطر لان تكون عبدا للاعتذار عما بدر منك؟
إن هذا الإسلام الذي يتمثل شهر رمضان وصومه ركنا من أركانه هو دين الحرية بحق وحقيق. لقد كان الجور والظلم والطغيان يسود العالم قبل بعثة الإسلام كان العالم عبارة عن غابة لا يهنأ العيش فيها إلا للأقوى، قوة مادية فقط فأشرق الإسلام ليحرر بنوره ظلام تلك العبوديات المسيطرة فهل يريدنا دعاة الحضارات الزائفة في زماننا هذا من أن نعود عبيدا أذلاء لهم كما كان الحال في عهود عبودية الباطل تلك؟! لن يكون ذلك إذا التزمنا إسلامنا عقيدة وشريعة وأخلصنا العبادة لله رب العالمين.
محمد الطيب عربي

