وقف متباهياً فخوراً بعروبته وإسلامه منشداً لأحلى أبيات شعر المديح النبوي في قاعة «ألبرت هول» بالعاصمة البريطانية «لندن»، وذلك في ختام فعاليات المؤتمر الإسلامي العالمي، فتعرف عليه الجمهور الأوروبي وأعجبوا به، وقدروه خير قدره، وكتب عنه: «صوت الشيخ نصر الدين طوبار يضرب على أوتار القلوب ويحلق في رحاب السماء والخشوع ».
هو نصر الدين طوبار، المولود في عام 1920م بمدينة المنزلة بمحافظة الدقهلية وسط دلتا مصر، نشأ في أسرة تحب العلم وتحاول جادة أن تنشره بين أبنائها، فجده لأبيه هو الشيخ حسن طوبار أحد كبار مشايخ مدينة المنزلة، وأحد زعمائها الكبار، الذين شاركوا في مقاومة الغزو الفرنسي، ليس هذا فحسب بل هو ممن خططوا للحرب ضد فرنسا وانتصروا عليه في عدة مواقع أهمها موقعة الجمالية، وقد أقيم له عرفاناً بهذا الدور متحفا في المنزلة، ليضم كثيراً من آثاره وصور كفاحه.
تاريخ مشرف هذا التاريخ المشرف حدا بوالده أن يكون حريصا على إلحاقه بالتعليم، خاصة وأن نبوغه ظهر مبكرا، وبالفعل بدأ مشوار تعليمه في مدينة المنزلة في مدارسها الابتدائية، وبعد إتمام التعليم في هذه المرحلة انتقل إلى المدرسة الخديوية الثانوية، إلا أن والده اكتشف حب ولده الصغير للغناء والإنشاد وتلاوة القرآن، حيث لاحظ عزوفه في أحيان كثيرة عن الاستذكار بحثاً عن التفنن في التلاوة والإنشاد.
هذا بدوره دفع الأسرة إلى اتخاذ قرار بتحويله من المدرسة الخديوية إلى المدرسة الأولية ليتعلم اللغة العربية ويحفظ القرآن الكريم، وبعد أن حفظ القران الكريم ذاع صيته في مدن وقرى محافظة الدقهلية. حيث كان يحرص أعيان هذه المحافظة على دعوته لإحياء حفلات الصفاء الروحي، سواء كان ذلك بالتلاوة القرآنية أو بأدائه لبعض الأناشيد والتلاوات الإسلامية، تلك التي يعشقها أهالي الريف المصري عامة، وبالفعل خلال سنوات قليلة استطاع أن يحقق شعبية فاقت حدود المحافظة إلى المحافظات المجاورة، ليصبح نجم التلاوة والإنشاد في دلتا مصر خلال هذه الآونة.
لم يكن الأمر عند نصر الدين طوبار يقتصر على السعي للانتشار في دلتا مصر وحسب، بل كانت أحلامه وطموحاته تدفعه دائما للبحث عن فرصة للوصول إلى كل المستمعين العرب والمسلمين، فالشيخ محمد رفعت كان مثله الأعلى، ولأن صوته كان رائعاً نصحه كل من استمع إليه أن يتقدم لاختبارات الإذاعة؛ ليخرج صوته إلى الملايين وهذا ما يرمي له، وبالفعل تقدم إلى هذه الاختبارات، ولكن المدهش في الأمر، أن اللجنة لم تختاره وتكرر هذا معه لست مرات متتالية، ولا أحد يعرف حتى الآن أسباب رفض اللجنة المتكرر لهذا الصوت الرائع.
إلا أنه لم ييأس من ست مرات رفض فيها من قبل لجان الإذاعة، بل أصر وتقدم للمرة السابعة لتختاره اللجنة هذه المرة في مجال الإنشاد الديني عام 1956م، ليبدأ من هذا التاريخ مشوار جديد مع النجومية والتألق في عالم الإنشاد والتلاوة، وهذا المشوار الذي تجاوز ربع قرن من الزمان، استطاع هذا المبتهل أن يحفر فيه لنفسه مكانة مرموقة بين المبتهلين في ذلك العصر الذهبي لفن الإنشاد والابتهال.
فن غنائي
الإنشاد الديني الذي برع فيه نصر الدين طوبار كان عبارة عن الفن الغنائي، الذي يتناول موضوعات لها صبغة دينية كالعشق الإلهي، أو مدح الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ أو الوحدانية والملكوت الأعلى وغيرها، وأن النجاح في هذا الفن يستوجب توافر شروط بعينها في المنشد والمبتهل، أهمها، أن يكون من ذوي الأصوات الجميلة الجذابة، وأن يكون صافي الذهن في علاقته مع ربه.
وأن يكون قادرا على فهم اللغة العربية تلك التي سوف ينشد كلماتها، ومن ثم تاريخيا نجد أنه لم يتصد لهذا اللون من الغناء إلا كبار المشايخ والمنشدين، الذين كانوا يحيون الليالى الرمضانية، والمناسبات الدينية، بصوت جميل نديٍّ يجمع المئات بل الآلاف من عشاق هذا الفن حوله.
وكان - رحمة الله عليه - يذكر أن قوالب فن الابتهال والإنشاد كغيرها من الفنون تتطور ويلحق بها التجديد على مر الزمان، حيث أصبحت لها أشكال متعددة وأسماء كثيرة تمجِّد الدين الحنيف، وتدعو لوحدة المسلمين، وتشجب الرذيلة، وتدعو إلى الفضيلة، وتمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم - وآل البيت، داعيا إلى ضرورة الاهتمام بهذا الصنف الفني لما يمثله من أهمية كبيرة في نشر الإسلام والدفاع عن ثقافته القويمة.
شهد مسجد «الخازندارة» بمنطقة «شبرا مصر» بالقاهرة، فترة مهمة من حياة الشيخ نصر الدين طوبار، حيث تم تعيينه عقب انتهائه من التعليم قارئا للقرآن الكريم ومنشدا للتواشيح به، وكان ذلك أبان عقد الأربعينات، هذه الفترة التي شهدت تألقه وبداية ظهوره كمبتهل معروف بين كبار المبتهلين في هذه الآونة ـ كالشيخ على محمود ثم الشيخ طه الفشني وغيرهما من كبار مبتهلي ومنشدي مصر ـ كما شهد مسجد الحسين صوت هذا البلبل المغرد في فترة رمضان من كل عام. يعد الشيخ نصر الدين طوبار أول من أنشد ابتهال مخصوص لأبطال حرب أكتوبر إبان فتره الحرب عام 1973م.
وهو ابتهال «سبح بحمدك الصائمون» و«انصر بفضلك يا مهيمن جيشنا»، وهو في ذلك كان على قدر كبير من العلم بقدرة وأهمية هذه الأناشيد والابتهالات الدينية في تحريك المشاعر لدعم الجيش المصري في حربه ضد إسرائيل الذي يحتل أرضه، وكان في ذلك سباقا، كذلك كان الشيخ الراحل يعتبر الشيخ الشعشاعي أخا روحياً له، وغالبا ما كان يبتهل في الفجر وراء قراءة الشيخ الشعشاعي، وكان معروفا عنه حبه لصوت الشيخ القارئ مصطفى إسماعيل.
فرقة الإنشاد
وعقب اعتماد الشيخ طوبار بالإذاعة المصرية كقارئ ومنشد اختير عضوا في فرقة الإنشاد الديني التابعة لأكاديمية الفنون بمصر، هذه الفرقة التي تم تأسيسها للحفاظ على هذا الفن وتطويره وحمايته من المؤثرات السلبية، واستطاع هذا الشيخ الكبير أن يطور دورها على الصعيد المصري والعربي والإسلامي، وذلك بتطوير دورها وتفعيله ليكون حائط صد ضد كل ما يهدد هذا الفن الإسلامي الرفيع، وهذا كله أهله ليتولى دور الإشراف والقيادة لأعمال الفرقة.
وفي عام 1980م، تم ترشيحه للمشاركة في احتفالية مصر بعيد الفن والثقافة، ليتم تكريمه من قبل وزارة الثقافة المصرية، اعترافا من القائمين على هذه الوزارة بدوره الكبير في إثراء الحياة الفنية والثقافية بما لعبه من دور كبير في تطوير فرقة الإنشاد القومي التابعة لوزارة الثقافة، إضافة إلى مشاركاته المجدية على صعيد إعداد أجيال جديدة من المنشدين الشباب.
كما تم ترشيحه من قبل وزارة الإعلام المصرية وشاركتها في ذلك وزارة الأوقاف، ليشارك في فعاليات المؤتمر الإسلامي العالمي بالعاصمة البريطانية «لندن»، وهناك قدم أروع ما أنشد في حياته على مسرح قاعة «ألبرت هول» الشهيرة بلندن، وحاز على إعجاب كبير من الحضور المسلمين وغير المسلمين، لدرجة أن بعضا من الحضور الذين لا يعلمون العربية تفاعلوا معه بشكل أذهل العرب.
سفير الإسلام
ومن لندن عاصمة بريطانيا، ذاعت شهرة الشيخ المصري في كل المدن الأوروبية، وبدأت توجه إليه الدعوات لحضور مثل هذه الحفلات ليشدو فيها ويغرد بأحلى الأنغام، ليكون خير سفير للإسلام والمسلمين بالتزامه وخلقه القويم، فالإعجاب بصوته كان غالباً للدرجة التي حدت بالصحافة الألمانية أن تقول عنه: « صوت الشيخ نصر الدين طوبار يضرب على أوتار القلوب»، ليس هذا فحسب بل حاز «طوبار» بالتكريم الرسمي من قبل كل الدول الغربية والإسلامية التي زارها إعجابا وتقديرا لصوته العذب.
وبعد رحلة طويلة مع فن الإنشاد والابتهال، والذي استطاع خلالها أن يقدم عدداً كبيراً من الابتهالات والتواشيح الدينية الرائعة، فاضت روح الشيخ الجليل نصر الدين طوبار إلى بارئها.


